“النسبية”
غابرييل بوريك… الرجل الذي تحدّى “بروتوكولات السلطة” وانتصر في الأخير**
في إحدى قاعات البرلمان التشيلي، قبل نحو عقد من الزمن، دخل نائب شاب لا يتجاوز الثلاثين من عمره، بقميص مفتوح الياقة، دون ربطة عنق، وخطوات واثقة لا تشبه السياسيين التقليديين. لم يكن غابرييل بوريك، القادم من الحركة الطلابية ومن مقاومتها المدنية لعدة سنوات، أن يدرك حينها أن قطعة قماش صغيرة ستتحول إلى مادة اشتعال سياسي سترافقه حتى القصر الرئاسي.
هذا البحث يعود بنا إلى تلك اللحظة الأولى: كيف تحوّل مظهر بوريك المنضال اليساري إلى معركة سياسية داخل الكونغرس؟ ولماذا صعّدت قوى اليمين هجومها عليه بسبب ربطة العنق كان لا يحب استعمالها؟ وكيف استخدم بوريك هذا الجدل ليصنع منه رمزاً لجيله السياسي؟
الفصل الأول: دخول غير تقليدي إلى البرلمان
حين انتُخب بوريك نائباً عام 2014، دخل مجلس النواب بشعر طويل، قميص بسيط، دون ربطة عنق. لم يكن ذلك صدفة. وفق المقربين منه، كان يريد أن يحافظ على صورة الطالب المتمرد و المحتجّ لا النائب “البيروقراطي”.
لكن البرلمان التشيلي المعروف بتقاليده الصارمة لم يتقبل الأمر بسهولة. بدأت الانتقادات الأولى من نواب يمينيين، بعضهم تهكّم، وآخرون هاجموه بحدة:
“من لا يرتدي ربطة عنق لا يحترم المؤسسة.”
“مظهره يسيء لصورة البلاد.”
“السياسة ليست شارعاً عاماً.”
مع أن القانون الداخلي لم يكن يفرض ارتداء ربطة العنق، إلا أن الأعراف كانت أقوى من النصوص، واليمين التشيلي استخدمها كأداة ضغط.
الفصل الثاني: صدام ثقافي أكثر منه بروتوكولي
الجدل لم يكن حول الملابس فقط، بل حول هوية سياسية واجتماعية.
بوريك كان يمثل جيلاً صاعداً من ناشطي الشوارع والحركات الطلابية التقدمية، بينما اليمين كان يدافع عن النموذج التقليدي للنخبة السياسية.
رمزية ربطة العنق في السياسة الشيلية
يعتبر خبراء علم الاجتماع السياسي أن ربطة العنق في الشيلي ليست مجرد إكسسوار، بل رمز لثلاثة عناصر:
الطبقة العليا المهيمنة تاريخياً على السلطة.
المؤسساتية المحافظة التي تبجل الشكل أكثر من المضمون.
الفصل بين السياسي والمواطن الذي يشعر أن “السياسيين يعيشون في عالم آخر”.
رفض بوريك لهذا الرمز كان بمثابة تحدٍ ثقافي، لا مجرد خيار لباس.
الفصل الثالث: ردود بوريك… خطاب موازٍ للشارع
في كل مرة تعلّق فيها المعارضة اليمينية على مظهره، كان بوريك يردّ بمقولة تتكرر:
“احترامي للمؤسسات يظهر في عملي، لا في ربطة العنق.”
واستخدم منصاته للتأكيد على أن:
السياسة يجب أن تكون قريبة من الناس.
الرموز الشكلية لا تصنع شرعية.
الهيبة تُبنى عبر الشفافية، لا الملابس.
هذه الردود رفعت من شعبيته بين الشباب، الذين رأوا في مظهره تمرّداً على “النخبوية السياسية”.
الفصل الرابع: من الكونغرس إلى لا مونيدا… ومعركة الربطة تستمر
عندما ترشح بوريك للرئاسة، أعاد اليمين فتح ملف ربطة العنق. في إحدى المناظرات، تساءل سياسي محافظ:
“هل سيحترم الرئيس بوريك البروتوكولات؟ هل سيزور الدول دون ربطة عنق؟”
لكن المفاجأة جاءت يوم تنصيبه: ظهر بوريك مجدداً بدون ربطة عنق، مكتفياً ببدلة بسيطة. فجّر ذلك موجة انتقادات في منصات يوتيوب وتويتر من شخصيات يمينية وصفته بـ:
“رئيس بلا هيبة”
“مشروع سياسي مراهق”
وفي المقابل، احتفت به فئات واسعة رأت أنه يثبت أنه ابن الحركات الاجتماعية لا ابن البروتوكولات.
الفصل الخامس: لماذا يخشاه اليمين؟
تحليل محتوى خطابات اليمين يكشف أن الجدل يتجاوز ربطة العنق إلى نقاط أعمق:
1) الخوف من تآكل رموز السلطة التقليدية
اليمين التشيلي، تاريخياً، يدافع عن شكل الدولة ومراسمها كوسيلة لفرض احترام النظام.
2) انتقال السلطة إلى جيل جديد
بوريك يمثل جيلاً يرفض الطقوس القديمة، وهذا يهدد سيطرة النخب التقليدية.
3) تحويل المظهر إلى سلاح سياسي
اليمين حاول تحويل غياب ربطة العنق إلى “نقطة ضعف”، لكن بوريك جعلها رمزاً للقرب من الناس.
الفصل السادس: ربطة العنق… من قطعة قماش إلى خطاب سياسي
خبراء الاتصال السياسي يؤكدون أن بوريك استخدم “البساطة” كاستراتيجية:
صورة القائد العفوي
إخفاء الخط الفاصل بين السلطة والمجتمع
بناء هوية سياسية مختلفة عن النخب
وبذلك، تحولت ربطة العنق إلى جزء من “علامته السياسية”. فهي تقول للناخبين: “أنا لا أتشكل وفق السلطة… السلطة تتشكل وفق ما أؤمن به”.
خلاصة البحث: من انتصر في المعركة؟
رغم الهجوم المستمر، استطاع بوريك تحويل موضوع شكلي إلى مكسب سياسي:
فاز بالرئاسة دون تغيير مظهره.
صنع رمزاً لجيله.
كشف هشاشة الخطاب اليميني حين يهاجم الشكل بدل السياسات.
ونجح في رسم خط جديد في الثقافة السياسية التشيلية.
ربطة العنق التي أراد اليمين استخدامها ضده… أصبحت في النهاية جزءاً من قصة صعوده.