مقال منشور في Le Monde Afrique
في 9 نيسان 2026
استغرق هذا النص، الذي سيُقدَّم إلى البرلمان في 13 نيسان ما يقرب من تسع سنوات حتى يكتمل، وهو مشروع طال انتظاره بشدة من قبل البلدان الإفريقية التي ترى فيه خطوة نحو استعادة جزء من ذاكرتها الثقافية.
استعادة الذاكرة المنهوبة: فرنسا بين إرث الاستعمار وأفق العدالة الثقافية
في خطوة طال انتظارها، تدخل فرنسا مرحلة جديدة في تعاملها مع أحد أكثر ملفاتها حساسية وتعقيدًا: ملف الممتلكات الثقافية التي نُهبت خلال الحقبة الاستعمارية. فإطلاق قانون إطار يهدف إلى تسهيل إعادة هذه القطع إلى بلدانها الأصلية لا يمثل مجرد تعديل قانوني، بل يعكس تحوّلًا أعمق في الوعي التاريخي والسياسي، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول الذاكرة والهوية والعدالة.
على مدى عقود، ظلّت المتاحف الأوروبية، وفي مقدمتها الفرنسية، تحتفظ بآلاف القطع القادمة من إفريقيا وآسيا، وهي ليست مجرد معروضات فنية، بل شواهد حية على تاريخ الشعوب وذاكرتها ورموزها الروحية والثقافية. غير أن استرجاع هذه الممتلكات ظل يصطدم بعقبة قانونية مركزية تمثلت في مبدأ “عدم قابلية المجموعات الوطنية للتصرف”، الذي حال دون أي مقاربة شاملة لهذا الملف، وأبقى عمليات الإعادة في إطار استثنائي محدود.
اليوم، يسعى القانون الجديد إلى كسر هذا الجمود، عبر إرساء آلية دائمة تتيح إعادة القطع التي ثبت أو يُرجّح أنها اقتُنيت في ظروف غير مشروعة، سواء عبر النهب أو الإكراه أو في سياق اختلال موازين القوة خلال الفترة الاستعمارية. ويمثل هذا الانتقال من معالجة كل حالة على حدة إلى اعتماد إطار قانوني شامل، تعبيرًا عن إرادة سياسية لتجاوز التردد السابق، والانخراط في مسار أكثر اتساقًا مع متطلبات العدالة التاريخية.
غير أن هذا التحول لا يخلو من تعقيدات. فإعادة الممتلكات الثقافية ليست مجرد عملية نقل مادي، بل هي إعادة فتح لملفات التاريخ، بكل ما تحمله من إشكالات قانونية وأخلاقية. إذ تطرح مسألة إثبات أصول القطع تحديات حقيقية في ظل نقص الوثائق أو غموضها، كما تثير تساؤلات حول الجهات المخوّلة بالمطالبة بها، وحدود دور المتاحف التي لطالما قدّمت نفسها باعتبارها فضاءات “عالمية” للمعرفة.
في المقابل، تنظر الدول الإفريقية إلى هذه الخطوة بوصفها جزءًا من استعادة السيادة الثقافية وتصحيحًا لاختلال تاريخي عميق، حيث إن وجود نسبة كبيرة من تراثها خارج القارة يعكس إرثًا من الهيمنة لا يزال حاضرًا في الذاكرة الجماعية. ومن هذا المنظور، تتجاوز القضية بعدها الثقافي لتصبح مسألة كرامة وطنية وإعادة اعتبار.
وفي خضم هذا التوازن الدقيق، يفتح القانون الجديد الباب أمام إعادة صياغة العلاقات الثقافية بين فرنسا والدول المعنية، على أسس أكثر عدالة وتكافؤًا، قائمة على الشراكة وتبادل الخبرات بدل الاحتكار. غير أن نجاح هذه المبادرة سيظل رهينًا بمدى قدرتها على الانتقال من النصوص إلى الممارسة، ومن الرمزية إلى الفعل.
هكذا، تبدو فرنسا أمام اختبار حقيقي: هل تنجح في تحويل هذه الخطوة إلى مسار مستدام يعيد جزءًا من ذاكرة الشعوب إلى أصحابها، أم يظل الأمر في حدود الإقرار الرمزي بإرث استعماري معقّد؟ في كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بإعادة قطع فنية، بل بإعادة النظر في التاريخ نفسه، وفي الكيفية التي تُبنى بها علاقات أكثر إنصافًا بين الماضي والحاضر.