“النسبية“
تمر جمهورية البيرو بواحدة من أكثر المراحل دقة في تاريخها السياسي المعاصر، حيث تحول النظام من “رئاسي” كما هو منصوص عليه في الدستور، إلى ما يسميه المحللون “نظاماً برلمانياً فعلياً”، مما أدى إلى حالة من الشلل المؤسساتي المزمن وتكرار سيناريوهات عزل الرؤساء وهي ظاهرة اشتهرت بها دولة البيرو.
أزمة التمثيل الشعبي وتفتت المشهد
تشهد العملية الانتخابية لعام 2026 حالة غير مسبوقة من التفتت السياسي. فوفقاً لبيانات الهيئة الوطنية للانتخابات، أدى غياب الأحزاب ذات الأيديولوجيات الراسخة إلى ظهور عشرات المرشحين، مما جعل من المستحيل على أي طرف نيل تفويض شعبي واسع. هذا المشهد يعكس فجوة عميقة بين النخب السياسية وتطلعات الشارع، حيث أصبح “التصويت المشتت” هو السمة الغالبة، مما ينذر بحكومة ضعيفة تفتقر إلى أغلبية برلمانية مستقرة.
سلاح الكونغرس لزعزعة الاستقرار
إن الظاهرة المتكررة لسقوط الرؤساء قبل انتهاء ولايتهم ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة للاستخدام التكتيكي لمادة “العجز الأخلاقي الدائم. لقد حول الكونغرس البيروفي هذه المادة الدستورية من آلية للحالات القصوى إلى أداة سياسية يومية لإزاحة الخصوم، مما أدى إلى تآكل مفهوم “الاستقرار الرئاسي”. إن غياب الضوابط الدستورية التي تحدد بدقة معنى “العجز الأخلاقي” منح البرلمان سلطة شبه مطلقة، محولاً النظام إلى ما يشبه “ديكتاتورية البرلمان”.
السلطة القضائية ومحاكمة الرئيس كاستيو
شكلت قضية الرئيس السابق بيدرو كاستيو منعطفاً قانونياً حاسماً. ففي نوفمبر 2025، صدر حكم عليه بالسجن لأكثر من 11 عاماً بتهمة “التآمر للتمرد” عقب محاولته حل الكونغرس. ونائبته آنذاك رغم أنها عضوا في الحزب اليساري الدي ينتمي إليه كاستيو، اعتبر ملاحظون أنها تواطأت مع قوى اليمين التي صوت أعضاؤها في البرلمان لفائدتها كرئيسة للدولة,
التمييز بين المسار السياسي والجنائ
وعلى مستوى المسار السياسي، فإن الرئيس الأسبق كاستيو تم عزله من قبل الكونغرس بتوطؤ مع قوى اليمين، فيما المسار الجنائي حاول أن يثبت من خلاله القضاء أن محاولة كاستيو “تقويض النظام الدستوري” لا تحصنها الحصانة الرئاسية، لانه يعتبر “السمو الدستوري” يعلو على أي شرعية انتخابية إدا ما اقترنت بخرق صريح للقانون. لقد أعاد هذا الحكم التأكيد على دور القضاء كحارس أخير للنظام الديمقراطي في مواجهة الانحرافات السلطوية.
نحو ميثاق دستوري جديد
إن استمرار الأزمة في البيرو يطرح ضرورة ملحة لإجراء إصلاح دستوري شامل يعيد التوازن بين السلطات. فبدون تعديلات تحد من سلطة العزل البرلماني وتعزز من استقلالية المؤسسات عن التجاذبات اليومية، سيبقى النظام السياسي في البيرو رهيناً لحلقة مفرغة من عدم الاستقرار التي تعيق التنمية وتزيد من إحباط المواطنين.
المصادر
الهيئة الوطنية للانتخابات (Jurado Nacional de Elecciones – JNE): تقارير حول السجل الانتخابي والعملية الديمقراطية (2026). الموقع الرسمي: www.jne.gob.pe
المحكمة الدستورية البيروفية (Tribunal Constitucional): قرارات التفسير الدستوري بشأن حل الكونغرس والعلاقة بين السلطات. الموقع الرسمي: www.tc.gob.pe
مجلة القانون “LP Derecho”: تحليل قانوني لأحكام المحكمة العليا بشأن الجرائم الدستورية للرؤساء (2025).