راوول مسيليتا / افتتاحية
إن الأرقام التي أفرجت عنها هيئة الأمم المتحدة للمرأة مؤخراً ليست مجرد إحصائيات جافة؛ بل هي صرخة حق في وجه ضمير عالمي يبدو أنه أسقط قيمة الحياة البشرية حين تتعلق بفلسطين. إن الحديث عن استشهاد 38 ألف امرأة وفتاة بين أكتوبر 2023 ودجنبر 2025 ليس مجرد سرد لنتائج حرب، بل هو إدانة لمذبحة ممنهجة تستهدف ضرب عمق البقاء المجتمعي للفلسطينيين، تحت أنظار قوى دولية اختارت الصمت، بل والتواطؤ.
لوحة جنائزية مرعبة
يرسم التقرير الأممي لوحة جنائزية مرعبة؛ إذ يوثق قتل 47 ضحية يومياً من النساء والفتيات بنيران الجيش الإسرائيلي. نساء كنّ أعمدة لبيوتهن، وفتيات حُرمن من حلم الغد قبل أن يبدأ. لكن الفظاعة لا تتوقف عند الموت المباشر، فالإصابات التي خلفت 11 ألف إعاقة دائمة، ووقوع نحو 800 ألف فلسطينية في براثن مجاعة كارثية، هي شهادة حية على توحش يسعى لإبادة المستقبل في غزة وليس الحاضر فحسب.
كيف يستقيم التشدق بالقيم الديمقراطية؟
هنا، يصبح صمت الحكومات الغربية صخباً لا يمكن تجاهله. فكيف يستقيم التشدق بـ “القيم الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” مع الاستمرار في توفير الغطاء السياسي والدعم العسكري لآلة تحصد أرواح النساء والفتيات بهذا المعدل المرعب؟ إن الفجوة بين الخطاب الإنساني الغربي وبين التقاعس عن وقف هذه المأساة لم تعد مجرد ازدواجية معايير، بل هي تواطؤ مكشوف يمنح الجلاد الصهيوني صكاً للاستمرار في ارتكاب جرائمه.
مظلة حماية الاحتلال الإسرائيلي من العقاب
ومما يبعث على القلق الممزوج بالمرارة، أنه حتى بعد إعلانات “وقف إطلاق النار” المزعومة، لم يتوقف نزيف الدم؛ حيث سُجل استشهاد 730 شخصاً في الأشهر الستة الأخيرة وحدها. وهذا يقودنا إلى استنتاج واحد: إن الإفلات من العقاب الذي تتمتع به دولة الاحتلال ما كان ليستمر لولا مظلة الحماية التي توفرها عواصم تختار اليوم أن تدير ظهرها لأكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث.
إن مأساة المرأة الفلسطينية هي جرح غائر في جسد الإنسانية جمعاء. وعلى العالم أن يدرك أن كل حياة تزهق في غزة هي هزيمة للحضارة. إن الصمت أمام هذا الحجم من الألم ليس حياداً، بل هو شرعنة لمذبحة لن يغفرها التاريخ ولن يمحوها الزمن