المصطفى روض
بعد خمسة أشهر طوال قضيتها بين جدران “مستشفى أمراض الصدر” بمدينة تيراسا سنة 1974، أصارع داء السل وسكون العزلة، خرجتُ أخيراً والرئتان تتنفسان الحرية لأول مرة. توجهتُ مباشرة إلى برشلونة، مدينتي القديمة، واستقر بي المقام في “بنسيون خاردين” المتواضع، قريباً من صخب ساحة “لا رامبلا” وأزقة الحي الصيني التي تفوح برائحة التاريخ والفقر والبغاء.
سؤالي ارتد إلي سهما
في ليلتي الأولى، خرجتُ أتحسس خطاي في شوارع المدينة. لم أكن أعلم أن السياسة الدولية قد نصبت لي فخاخاً في طرقات الغرباء. اقتربتُ بعفوية من سيارة شرطة متوقفة لأسأل عن مكتب شؤون الأجانب، لكن السؤال ارتدّ إليّ سهماً. وبمجرد أن عرف الشرطي هويتي المغربية، أرسل إشارة غادرة بيديه عبر مرآة سيارته إلى زميل له كان يترصد المهاجرين خلفه.
حاول الشرطي استدراجي بسؤال مسموم
كأنني تحولت في لحظة من إنسان يبحث عن إرشاد إلى صيد ثمين. “هذا الشاب مغربي، اذهب معه وأحضر جواز سفره!”، قالها الشرطي لزميله ببرود. وفي طريق العودة إلى البنسيون، حاول الشرطي استدراجي بسؤال مسموم عما إذا كان هناك مغاربة آخرون يسكنون معي، فكان ردي درعاً من الصمت والولاء: “لا أعرف من يسكن هناك”. استلمت جوازي من مدير البنسيون، ذلك الرجل الطيب الذي شهد بعينيه كيف تقتادني سيارة الخدمة إلى “الكوميسارية” المجاورة للحي الصيني.
“لماذا ملككم (الحسن الثاني) يريد احتلال الصحراء؟”
داخل سيارة الشرطة، بدأت فصول المحاكمة الميدانية. رشقني أحد الشرطيين بسؤال غريب مشحون بالعداء السياسي: “لماذا ملككم (الحسن الثاني) يريد احتلال الصحراء؟”. لم أكن دبلوماسياً ولا سياسياً، بل كنت شاباً يدافع عن كينونته، فقلت له بحدة وثبات: “أنتم لديكم مشكلة مع ملك المغرب، عليكم أن تجدوا حلها معه هو، وليس معي أنا”. ألجمته الكلمات، فساد صمت ثقيل حتى وصلنا إلى مقر الكوميسارية.
عندما وضعت وثائق المستشفى أمامه، حدث ما يشبه المعجزة
هناك، رأيت وجه القمع العاري؛ مواطن إفريقي يتعرض للضرب والمساءلة المهينة، يبحثون في ثيابه عن “الحشيش” وعن كرامة مهدورة. وبصراخ آمر، دُفعتُ إلى غرفة ضابط يجلس خلف آلة كاتبة، يباشر أسئلته بصوت مرتفع وكأنه يكتب صك ترحيلي: “اسم أمك؟ اسم أبيك؟ كم قضيت هنا؟”. كان ينظر إليّ كعدو يمثل بلداً قرر استرجاع أراضيه المستعمرة.
حين اتهمني بخرق القانون والبقاء غير الشرعي، واجهته بهدوء الواثق: “لقد كنت في المستشفى مريضاً، وقبلها كنت أعمل بعقد رسمي. فعن أي خرق تتحدث؟”.
عندما وضعت وثائق المستشفى أمامه، حدث ما يشبه المعجزة. تغيرت ملامح وجهه فجأة، وانكسرت حدة صوته لتتحول إلى اعتذار غير متوقع. نادى على الشرطي الذي أحضرني وأمره بإعادتي فوراً.
خرجنا إلى الشارع، وحاول الشرطي أن ينقلني بسيارته إلى البنسيون، لكنني نظرت إلى الأفق، مستنشقاً هواء برشلونة بكرامة مستردة، وقلت له: “لا تشغل بالك، فأنا أعرف الطريق جيداً”. تركت سيارة الشرطة خلفي، ومشيت وحيداً، عائداً إلى غرفتي، وفي قلبي يقين بأن هذه الليلة كانت المخاض الأخير قبل بداية رحلة جديدة نحو جبال بلدة “ريبس دي فريسر” البعيدة شمالا عن بارشلونة ب 170 كيلوميترا إقليم خيرونا.
للحديث بقية