إعداد: حسان البلعاوي
يعود التنافس بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا على منصب الأمين العام للفرنكوفونية إلى الواجهة من جديد مع ترشيح الكونغو لـجوليانا أماتو لومومبا، في مواجهة الأمينة العامة الحالية لويز موشيكيوابو التي تسعى لولاية ثالثة باسم رواندا
وقد جاء هذا الترشيح بقرار من الرئيس فيليكس تشيسيكيدي، ما أضفى عليه طابعًا سياسيًا واضحًا، لكنه حمل في الوقت ذاته بعدًا رمزيًا عميقًا مرتبطًا باسم باتريس لومومبا وما يمثله في الوجدان الكونغولي والأفريقي.
فالمرشحة الكونغولية لا تمثل فقط ابنة زعيم تاريخي، بل تحمل إرثًا سياسيًا ومعنويًا يرتبط بأحد أبرز رموز التحرر والكرامة في أفريقيا، وهو ما يمنح ترشيحها دلالة تتجاوز البعد الشخصي إلى بعد وطني وقاري. ومع ذلك، تحرص جوليانا لومومبا على التأكيد أن حضورها في هذا السباق لا يقوم فقط على اسم والدها، بل على مسار مهني وسياسي متكامل، إذ عملت في المجال الإعلامي وتولت مناصب حكومية وشاركت في مؤسسات قارية، ما يعزز من صورتها كمرشحة تمتلك مشروعًا ورؤية للفرنكوفونية.
وقد أبرزت مجلة Jeune Afrique في عددها الصادر في 4 نيسان هذا البعد المزدوج في شخصيتها، مشيرة إلى أنها تجمع بين الرمزية التاريخية والخبرة العملية، وتسعى إلى تقديم تصور جديد للفرنكوفونية قائم على “فرنكوفونية الشعوب” بدل النخب، وعلى تعزيز قيم العدالة والتضامن والانفتاح، في سياق أفريقي يشهد تصاعدًا في خطاب السيادة واستعادة الكرامة.
غير أن هذا التنافس، رغم الخطاب التوافقي الذي تؤكد عليه المرشحة، لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي المتوتر بين الكونغو ورواندا، خاصة في ظل استمرار الخلافات بشأن الوضع في شرق الكونغو. وبينما ترفض جوليانا لومومبا تحويل هذه الانتخابات إلى ساحة مواجهة سياسية بين البلدين، فإن الواقع يشير إلى أن هذا السباق يحمل أبعادًا غير مباشرة تتعلق بالنفوذ والتمثيل والشرعية داخل الفضاء الأفريقي، حتى وإن لم يُطرح رسميًا كامتداد مباشر للنزاع القائم.
وتزداد أهمية هذه الانتخابات بالنظر إلى طبيعة منصب الأمين العام للفرنكوفونية، الذي يتجاوز البعد الثقافي واللغوي ليشكل موقعًا مؤثرًا في العمل الدبلوماسي داخل فضاء يضم عشرات الدول، معظمها في أفريقيا، ما يجعله أداة من أدوات التنافس على الحضور والتأثير. وفي هذا السياق، يبرز دور فرنسا كعامل حاسم، إذ سبق لها أن دعمت المرشحة الرواندية في دورتي 2018 و2022، لكنها لم تعلن حتى الآن موقفها من انتخابات 2026، ما يضعها في موقع الطرف المرجح القادر على التأثير في موازين هذا السباق.
كما يعيد هذا الترشيح طرح أسئلة أوسع حول مستقبل الفرنكوفونية نفسها، التي تأسست عام 1970 في النيجر كفضاء يجمع الدول الناطقة بالفرنسية، لكنها تواجه اليوم تحديات متزايدة، خاصة بعد انسحاب بعض دول الساحل مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي اعتبرت أن المنظمة تعكس في جانب منها نفوذًا فرنسيًا أكثر من كونها إطارًا متوازنًا للتعاون.
وبناءً على ذلك، فإن التنافس الحالي لا يقتصر على سباق بين مرشحين، بل يعكس تحولات أعمق في موازين القوى داخل أفريقيا، ويعيد طرح مسألة العلاقة بين الفرنكوفونية والدور الفرنسي في القارة، كما يسلط الضوء على سعي بعض الدول الأفريقية إلى إعادة تعريف موقعها داخل هذه المنظومة. وفي هذا الإطار، يجمع ترشيح جوليانا لومومبا بين الرمزية التاريخية لإرث لومومبا، والمسار الشخصي للمرشحة، والسياق السياسي الإقليمي والدولي، ما يجعل هذه الانتخابات محطة مفصلية تتجاوز بعدها المؤسسي إلى أبعاد سياسية واستراتيجية أوسع، في ظل غموض الموقف الفرنسي وبقاء نتائج السباق مفتوحة على مختلف الاحتمالات.