اعداد حسان البلعاوي
بالاستناد الى مقال في جريدة لوموند ـ افريقيا في 30 اذار 2026
يشهد الحضور الروسي في أفريقيا تحولًا نوعيًا لم يعد يقتصر على الأدوات العسكرية أو الاقتصادية، بل بات يعتمد بشكل متزايد على القوة الناعمة، وفي مقدمتها الدين. ويبرز التوسع السريع للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في القارة كأحد أهم تجليات هذه الاستراتيجية، حيث انتقلت من حضور محدود جدًا قبل سنوات قليلة إلى شبكة واسعة من الرعايا في عشرات الدول، في مؤشر واضح على سعي موسكو لترسيخ نفوذ طويل الأمد داخل المجتمعات الأفريقية.
هذا التمدد لا يمكن فصله عن الرؤية الاستراتيجية الروسية الأشمل، التي تعتبر الدين جزءًا من منظومة التأثير السياسي والدبلوماسي غير المباشر. فالكنيسة، في هذا السياق، ليست فاعلًا منفصلًا، بل تتحرك ضمن شبكة نفوذ مترابطة تشمل الدولة ومؤسساتها، في إطار سعي روسيا لتعزيز حضورها في “الجنوب العالمي”، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة منذ الحرب في أوكرانيا.
وقد استفادت موسكو بشكل واضح من الانقسام داخل العالم الأرثوذكسي منذ عام 2018، والذي أضعف المرجعيات التقليدية وفتح المجال أمامها للتوسع في أفريقيا على حساب بطريركية الإسكندرية والكنيسة اليونانية. هذا السياق الديني الدولي شكّل فرصة استراتيجية لروسيا لإعادة تموضعها داخل القارة عبر أدوات غير تقليدية.
في المقابل، لم يكن التوسع الروسي عشوائيًا، بل اتبع منطقًا جيوسياسيًا دقيقًا. فقد ركزت موسكو في مرحلة أولى على الدول التي تشهد حضورًا أمنيًا أو سياسيًا روسيًا، مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وأوغندا، حيث تداخلت أدوات النفوذ الصلبة مع محاولات بناء حضور مجتمعي أعمق. ثم توسعت نحو دول أخرى تضم جاليات روسية أو تمتلك تقاليد أرثوذكسية، مثل جنوب أفريقيا والمغرب وكينيا.
في منطقة الساحل، وخاصة في مالي، يبرز هذا التداخل بشكل واضح. فقد بدأ الحضور الروسي بطابع أمني، عبر أدوات مثل مجموعة فاغنر سابقًا، قبل أن يتطور إلى مقاربة أكثر شمولًا تشمل الأبعاد السياسية والثقافية والدينية. ويعكس هذا التحول إدراكًا روسيًا بأن النفوذ المستدام لا يمكن أن يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى اختراق النسيج الاجتماعي وبناء روابط طويلة الأمد مع المجتمعات المحلية.
ولتحقيق هذا الهدف، تعتمد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية على أدوات متعددة، من بينها تقديم حوافز مادية ومعنوية للكهنة، كرفع الرواتب، وتوفير فرص التدريب والسفر، إضافة إلى نشر النصوص الدينية باللغات المحلية. كما تستند إلى خطاب “القيم التقليدية”، الذي يجد صدى لدى بعض المجتمعات الأفريقية المحافظة، ويُقدَّم كبديل عن النموذج الغربي الأكثر تحررًا في بعض القضايا الاجتماعية.
غير أن هذا التمدد، رغم زخمه، يواجه تحديات حقيقية، خاصة في دول الساحل ذات الغالبية المسلمة مثل مالي، حيث تبقى قابلية التأثير محدودة. كما أن غياب جذور تاريخية قوية للأرثوذكسية، إلى جانب الشكوك حول الأهداف السياسية الكامنة وراء هذا النشاط، تشكل عوامل مقيّدة لانتشاره. ويضاف إلى ذلك الجدل حول دقة الأرقام المعلنة بشأن حجم التوسع، مع مؤشرات على أن النفوذ الفعلي قد يكون أقل مما يتم الترويج له.
من جهة أخرى، يظهر تداخل بين البعد الديني والأهداف الجيوسياسية، حيث يتقاطع النشاط الديني مع شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي، في إطار استراتيجية روسية متعددة الأبعاد. هذا التداخل يعزز من قدرة موسكو على التأثير، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الدور وحدوده.
انطلاقًا من ذلك، يمكن تقييم التمدد الروسي في أفريقيا، وخاصة في الساحل، باعتباره جزءًا من استراتيجية شاملة تقوم على الجمع بين الأمن والسياسة والدين والثقافة، بهدف ترسيخ نفوذ مستدام واختراق البنى المجتمعية. إلا أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بقدرة روسيا على التكيف مع الخصوصيات المحلية، وبمدى قدرتها على بناء مصداقية حقيقية تتجاوز البعد الدعائي.
في المحصلة، لا يعكس هذا التمدد مجرد نشاط ديني، بل يمثل إعادة صياغة لأدوات النفوذ الدولي في أفريقيا، في سياق تنافس متصاعد بين القوى الكبرى. وبينما لا يزال هذا المشروع في طور التبلور، فإنه يطرح تساؤلات مهمة حول مستقبل التوازنات في القارة، ودور الدين كأداة في الجغرافيا السياسية المعاصرة.
https://www.lemonde.fr/afrique/article/2026/03/30/l-eglise-orthodoxe-russe-a-l-assaut-de-l-afrique_6675431_3212.html