بقلم: محمد التاودي
في قلب المجهول، حيث تتراقص الأوهام وتتداخل المخاوف، تظل النفوس تبحث عن خلاص عابر يبدد قلقها. هنا تبرز الشعوذة لا كطقوس غامضة فحسب، بل كمرآة لقلق دفين وخوف من الفشل؛ تمنح سرابًا بالسيطرة، لكنها تترك وراءها جروحًا أعمق. وحين تهتز الثقة بالمؤسسات، يميل الإنسان إلى دروب مظلمة يظنها خلاصًا، فتزيده ضياعًا.
إن اليأس ليس غياب الأمل، بل غياب الرغبة في المحاولة. وفي سوق الشعوذة، يُباع الأمل كمسكن لا كمُحفِّز. الأمل الحقيقي ينبع من جهد داخلي، أما الخدعة المُلبَّسة فإنها ورقة يُلقيها اليائس على مائدة القدر ليُعفي نفسه من مسؤولية الحياة.
ظلال وأشعة الروح
ليست هذه الظاهرة وليدة الحاضر؛ فجذورها تمتد إلى ما قبل الإسلام، حيث ارتبطت بالمعتقدات الأمازيغية والطب الشعبي، واستخدمتها السلطات أحيانًا كأداة للهيمنة الاجتماعية كما يشير عبد الله العروي في “مجتمع المخزن”.
وليس هذا الإرث جديدًا في تاريخنا؛ فقد كانت للطب الشعبي أسواق وأماكن، امتزج فيها العلاج بالحكاية، والدواء بالأسطورة، حتى ضاعت الحدود بين الحكمة والخرافة. ومع مرور الزمن، برزت الحاجة الإنسانية للتمييز بين ما يعزز القدرة الداخلية وما يوقع في دوائر السراب والرعب الخفي.
ليس كل موروثٍ خطرًا؛ ففي الأعشاب حكمةُ الأجداد، وفي الحكاية روحُ الأمة، لكن الخطَّ الفاصل بين الاستطباب والاستغلال ظل دائمًا رفيعًا كشفرة، يحتاج إلى عين ناقدة كي لا يتحول الدواء إلى سمّ والتراث إلى قيد. وفي مختلف الثقافات يجمع الناس على احترام التجربة البشرية وحماية أنفسهم من الخداع، من خلال المعرفة أو الممارسة الواعية أو الروح النقدية التي تميز بين ما يغذي القوة الداخلية وما يضعفها.
وهكذا بقي الصراع قائمًا بين النور والظل في كل زقاق.
همسات الغيب
في عمقٍ خفي، ينبض عالم آخر بالحياة. بين دكاكين باهتة وواجهات خشبية صدئة، تُباع الأسرار بالهمس وتُحاك من خيوط السراب والرعب الخفي. يبدو المشهد عاديًا للغريب، لكنه للعارفين مسرحٌ للأقدار الملتبسة، حيث تختلط أنفاس الزمن بنداءات الباعة، ويتنفس المكان ككائن حي، يهمس وراء كل زاوية بقصة لا تُروى إلا لمن يمتلك فضولًا لا يعرف الكلل.
روائح البخور ووجوه الغموض
تتحول الأزقة إلى بوابات إلى عالم غارق في الغبار المُتراكم على الروح؛ حيث يحترق الدخان الثقيل ببطء، وتتناثر أعشاب جافة بروائح لاذعة، وتغلي خلطات في أوانٍ كأنها تتنفس، تثير الأسئلة قبل أن تلامس الحواس بخدر يربك الداخل.
وراء الطاولات، تقف نساء متشحات بالسواد، وجوههن جامدة ونظراتهن نافذة تقرأ ما لم يُقل، لا يبعن ما على الرفوف بل ما يختبئ خلف الكلمات: أوراق صفراء، رموز مبهمة، تعاويذ بوعود غامضة.
همساتهن لا تخترق الأذن بل تستقر كـثقل بارد في الصدر، فتوقظ الهواجس المنسية قبل أن تُقدم الوعود السهلة. بجانبهن رجال صامتون، وجوههم منحوتة من غبار الليل، يظهرون عند وقت الحسم فقط.
حين يصبح الأمل لعنة
في هذا السوق، لا تُباع السلع بالمال، بل تُعاد صياغة المصائر. غالبًا ما تكون الزبائن نساء مثقلات بالخذلان، يلجأن إلى الطلاسم والتمائم لاستعادة شعور ولو زائف بالسيطرة على حياتهن في زمن يضيق فيه الطريق أمام طموحهن وأمانهن. فالإنسان حين يضعف داخليًا، يصبح قابلاً لأن يتمسّك بأي سراب يمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان، حتى وإن كان ذلك السراب أخطر من الألم نفسه.
هكذا روت لي عائشة وهي تمسح دمعة ثقيلة: «جئتُ لأمسك بخيط أمل، حتى لو كان وهميًا، آملاً أن يعود زوجي إلى قلبي كما كان». وأضافت أم أخرى في همس مكسور: «وضعت في جيب ابني قطعة من جلد ثعبان، ظنًا مني أن الحظ يمكن شراؤه». تقبل النساء بما يُفرض عليهن من طقوس غريبة، مثل أظافر الهدهد أو رأس الكلب المبخر، وكأن هذه الأشياء المادية قادرة على استعادة الأرواح الضائعة أو صنع مستقبل جديد.
هذه الشهادات تظهر أن السبب ليس الفضول أو القلق الذي يسكن العظام فحسب، بل حاجة القلب المكسر إلى يقين زائف والأمل في علاج ألم لا يستطيع العقل تجاوزه. وغالبًا ما لا يقف الضرر عند الشخص وحده، بل يمتدّ لينخر الأسرة كلها، فيزرع الشك بين أفرادها، ويفسد العلاقات ببطء كسمّ لا يُرى.
طقوس الظل وجرح النفس
يشبه الإيمان بالشعوذة والانغماس فيها حلقة إدمان مفرغة؛ فالفشل المتكرر للطلاسم لا يثني المتأثرين، بل يدفعهم للعودة مرة تلو الأخرى، كما لو كانوا يحاولون إخماد نار اليأس بنار أخرى. يتحول التوهم إلى طقس يومي، ويصبح السراب مؤقتًا ملاذًا للأمان والطمأنينة، حتى تتشابك الحياة مع الطلاسم في روتين مستمر من البحث عن الأمل الضائع.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية ودراسات ميدانية متفرقة إلى أن نسبة كبيرة من المصابين باضطرابات نفسية شديدة في المغرب قد لجأت يوماً إلى العلاجات التقليدية والشعوذة قبل أن تطرق أبواب الطب الحديث، فتأخر الشفاء وتعمق الجرح. كما تسجل مصحات الطب النفسي حالات متكررة لمرضى “الذهان الشعوذي” الناتج عن تناول خلطات عشبية مجهولة التركيب.
يكرر الضحايا زياراتهم رغم خيبة الأمل المتكررة، ويصبح التوهم بديلاً مؤقتًا عن الأمان والطمأنينة، وكأن الطلاسم نفسها صارت ضرورة يومية. كل تجربة فاشلة تدفعهم لطلب المزيد، فتتعمق جذور الاعتماد النفسي على الشعوذة، ويستمر التناوب بين الرجاء والخوف، دون قدرة على التحرر من هذا الإيقاع المدمر.
في أزقة سوق “الجميعة” العتيق، ذاك السوق الشعبي الذي يتربّع في منطقة “درب السلطان” بقلب الدار البيضاء، حيث تتدلى الذكريات بين الفوضى المبهجة للبضائع، لا تُباع السلعُ بثمنها المادي وحسب، بل تُباع معها شظايا الأوهام. هنا، في هذا السوق الموازي المخفي عن زحام المدينة الحديثة، والذي لا يعرف تفاصيله ودروبه إلا أبناء الحي ورواده القدامى، يلتقي اليأسُ بالرغبة في رقصة قديمة: يائسون يحاولون تشكيل مصائرهم على مقاس وعود هشة، كتلك التي تنسجها الأكاذيب اللامعة.
تُعرض أعشابٌ يابسة كُتبت عليها أسرار الماضي، وبقايا حيوانات نادرة تختزل قصص الغابات البعيدة، وشموع ملونة تشع بأمنيات لم تُنطق بعد، وتمائم مشدودة بخيوط من أمل رقيق وريبة عميقة.
كل سلعة هنا ليست مجرد شيءٍ يُشترى، بل هي وعاءٌ يحمل قصةً صامتة، وحلماً دفيناً ينتظر من يفتحه. أحياناً يكون ثقل هذا الحلم أكبر من ثقل الواقع، وإغراؤه أقوى من برودة الحقيقة ذاتها. فهنا، حيث يختلط عبق التاريخ برائحة التوابل والرغبات، تُباع الأحلام بسعر زهيد، لكنها تترك في النفوس ديوناً لا تُسدد.
في قلب هذه السوق الموازية، وفي قمة هرم الطلب الغامض، يتربّع «مخ الضبع» كملك لا ينازع، محاطًا بهالة من الأسرار والأساطير. يليه في المرتبة «جلد الثعلب» كحاملٍ لوعود خفية. لكن وراء بريق هذه السلع الثمينة، تكمن جريمةٌ مزدوجة: فهي لا تسرق أموال البسطاء فحسب، بل تترك ندوباً عميقة في نسيج الطبيعة نفسها.
فبحسب اتفاقية التجارة الدولية للأنواع المهددة بالانقراض، يؤدي الصيد الجائر لهذه المخلوقات النادرة إلى تمزيق التوازن البيئي الدقيق، لتصبح الممارسات الوهمية عاملاً مباشراً في تقويض التنوع البيولوجي.
وهكذا، يُباع مخ الضبع بثمنٍ فادح: حياة حيوان ينزف، ومستقبل إنسان يائس يبحث عن خلاص. إنها صفقة ترسم معادلةً قاسية: فتح جرح دامٍ في جسد الأرض، مقابل سَدّ جرح وهمي في روح الزبون. فتتحول التجارة هنا من بيع وتداول للمواد الغريبة، إلى سوقٍ موازٍ للرغبات والمخاوف، حيث يُستغل هشاشة الإنسان وأحلامه البعيدة، ليدفع الجميع – الطبيعة والبشر – الثمن الأغلى.
مفاتيح الوهم وجرح المدينة
يدفع رجال ونساء طامعون مبالغ طائلة مقابل جرعات صغيرة، كأنها مفاتيح لقدَر جديد، بينما تضفي الأساطير عليها الغموض والرهبة. خلف كل تميمة جريمة صامتة؛ حيوانات نادرة تُنتزع لتُباع في سوق الغفلة، حيث يتحوّل الغياب عن الوعي إلى سكين يجرح الطبيعة. وهكذا يغدو السوق جرحًا نابضًا في قلب المدينة، مفتوحًا لكل من يلهث وراء المستحيل، حيث تُعرض الأحلام الكاذبة في واجهات السراب.
وهم يُباع بالذهب
هذه التجارة ليست مجرد بيعٍ للسلع، بل استثمارٌ في هشاشة النفوس وارتباكها، في قلقٍ يفتش عن يقين لا يُدرك. القائمون عليها يتخفّون وراء أقنعة الدين والتراث، يحوّلون الرعب الخفي والرجاء إلى بضاعة قابلة للتداول، ويعيدون صياغة الضعف البشري على هيئة وصفات وطقوس.
ويُقدَّر حجم التداول المالي السنوي في سوق الشعوذة والطب التقليدي غير المنظم بمئات الملايين إلى مليارات الدراهم، نهرٌ خفي يجري تحت جلد الاقتصاد الرسمي، يبتلع مدخرات البسطاء ويغذي جيوب المتاجرين بالأمل.
تضبط مصالح الجمارك والأمن سنوياً كميات كبيرة من الأعشاب والمواد الممنوعة أو المهربة التي تُستعمل في الطلاسم والخلطات، فتُحرق أطنانٌ من الأوهام على أبواب الموانئ وتُدفن أحلامٌ زائفة في المستودعات، لتبقى النفس البشرية رهينة بين السراب والمال.
حين يزهر الوهم في قلوب مثقلة
في مجتمع يعاني من التوتر والاضطرابات، تتسلل الخرافة إلى النفوس كما يتسلل الندى في الفجر، فتمنح شعورًا زائفًا بالسيطرة وتصبح خشبة نجاة يمسك بها الغريق في بحر التيه. فالسراب، رغم هشاشته، يغري القلوب المتعبة بما يشبه الطمأنينة، ويُستدعى كمهرب من عجز الواقع وضيق الأفق. وليس هذا الانزلاق إلا نتيجة طبيعية لهشاشة الخدمات الاجتماعية والصحية، التي تترك آلاف الناس واقفين على أبواب الضياع بلا دليل.
في حي سباتة الشعبي بالدار البيضاء، تتشابك أصوات الأسواق على أرصفة مكتظة، ويكابد السكان ضيق العيش. وجوههم مرهقة وبيوتهم متواضعة، وهنا يصبح السراب عزاءً مؤقتًا، وتستيقظ الشعوذة كـسكون مُلبَّد يقتات من هشاشة الأرواح.
ومن بين تلك الغبار المُتراكم على الروح التي ينسجها الخيال والواقع معًا، تبرز ملامح شخصيات يلفّها الغموض، فيغدو الحي مسرحًا مفتوحًا لأسرار لا تُقال إلا همسًا.
ظل الغموض وسحر النفوس
في سباتة، يعيش السي المختار، رجل خمسيني نحيل يورث ممارساته عن أجداده مستغلاً الفقر والرعب الخفي للسيطرة على الحي. خلف غموضه واقع مشوه، حيث جمع بين إرث الأسلاف وألم شخصي حوّله إلى سلعة، ليصبح نفوذه مزيجًا من القلق الذي يسكن العظام والأمل، والغموض سلاحًا يسيطر به على نفوس أهل الحي.
منزل يبتلع الأسرار
منزله المتواضع لا يختلف عن بيوت الحي المتلاصقة، لكن الداخل يروي حكاية أخرى: جدران مثقلة بتمائم وخرز أزرق وعظام طيور، وكتابات غامضة تغمر المكان بالرهبة. على الطاولات تتناثر أكياس وأعشاب تفوح منها روائح خانقة، وفي الصمت لا يُسمع إلا وقع خطوات وهمسات متقطعة.
في غرفة مظلمة
يؤدي السي المختار طقوسه: دخان ثقيل يتصاعد ببطء، شموع تهتز، وشرر يتطاير من قطرات الماء على الجمر. تتعالى همهمات غريبة، تختلط برائحة الشبة والستار العطري المُخدِّر، بينما تُطفأ نصف الأنوار لتنتشر ظلال طويلة على الجدران، فتبدو الغرفة كمشهد مسرحي مهيأ لابتلاع ضحية جديدة. يرفع يديه نحو السماء، ينحني في خشوعٍ مصطنع، ثم يفتح عينيه ويعلن بوقار:
“الطريق مفتوح…لكن تذكّروا،لا خلاص بلا ثمن.”
بين الرجاء والرهبة
تجلس فاطنة في الثلاثينات، يجاورها طفلها الصغير. تحمل بين يديها خصلات شعر زوجها وقطعة بخور، تضغط عليهما كآخر خيط رجاء. طفلها يلتصق بها، عيناه تفضحان رعبه وفضوله في آنٍ واحد.
الأضواء المرتجفة، الأصوات الغامضة، روائح الأعشاب، كلها تنسج عالمًا يطوّق وعي الطفل الطفولي، فتفضح عيناه البريئتان السراب. يتشبث بيد أمه، مدركًا بفطرته أن اللعبة هنا قناع للخدعة المُلبَّسة.
السي المختار، بهمسه المتقطع وحركاته المحسوبة، يزيد المشهد تعقيدًا. وفي عيني الطفل، تكشفت الحقيقة التي غفلت عنها أعين الكبار: الرعب الخفي هو السلعة الحقيقية في هذا السوق، ويصبح السراب قيدًا يلتف حول أعمارهم البريئة.
ومع مرور الوقت، بدأ المكان يجمع وجوهًا مختلفة، كل واحد يحمل ألمه وطلبه الخاص، لكن الجميع يلتقون على قاسم واحد: البحث عن خلاص سحري يخفف ثقل الحياة.
بوابة الغيب والنجاة
رغم اختلاف أعمارهم وخلفياتهم، اجتمع عبد الغني التاجر، وعزيزة الشابة، وسفيان الطالب في بيت السي المختار، حيث تتلاشى الفوارق ويصبح القلب هشًا والروح مرتجفة عند بوابة الغيب. فاطنة وطفلها يمثلان الأمومة الخائفة على كيان العائلة، عبد الغني التاجر يجسد هزيمة الرجولة أمام الشك، وسفيان الطالب يرمز إلى جيل يفتقد بوصلة اليقين في زمن الإفراط المعلوماتي.
تقول صالحة (28 سنة)، إحدى الناجيات من براثن الشعوذة: “أنفقت كل مدخراتي على مشعوذين وعدوني بعلاج عقمي، إلى أن اكتشفت أن المشكلة طبية بحتة وحلّت بالعلاج العلمي. اليوم أندرج في جمعية لمساعدة ضحايا هذه الممارسات”.
سفيان، الطالب الجامعي في العشرينات، جاء باحثًا عن تعويذة للنجاح، بعد أن أوهمه أحد المشعوذين أن فشله الأكاديمي سببها “سحر مدفون”. دفع مدخراته القليلة مقابل طقوس معقدة، ليكتشف لاحقًا أن السبب الحقيقي كان ضغوط الدراسة وسوء إدارة الوقت.
عبد الغني، التاجر الخمسيني، يحمل في عينيه تعب السنين وخيبة مشاريع لم تكتمل، جاء باحثًا عن حل يعيد له قوته وهيبته بين الناس، عازمًا على اقتناء تميمة أو وصفة تمنحه ما فشل الزمن في منحه.
وعزيزة الشابة، العشرينية، مثقلة بألم حب ضائع، تبحث عن أمل لاستعادة قلب غادر بلا وداع، فتقبل بما يُملى عليها من طقوس غريبة، كأن أظافر هدهد أو قطعة بخور تحت الوسادة قد تعيد لها ما فقدت.
في بيت السي المختار، يصبح الجميع متساوين أمام ضعف القلب وهواجس الروح، حاملين وجعهم الخاص كأنهم شظايا حكاية واحدة تتشابك داخل جدران غارقة في الستار العطري المُخدِّر والتمائم. هنا تجلس فاطنة بهمّها، وعبد الغني باضطرابه، وعزيزة بأشواقها الغامضة، وسفيان بصمته الممزق.
حتى أكثر العقول حكمةً ووعيًا قد تنكسر أحيانًا أمام إغواء الوعد بخلاص سريع، ويظل السراب حاضرًا كـجانب معتم من القمر يلاحق كل من يطرق باب اليأس، باحثًا عن حلّ سحري لا وجود له سوى في الخيال.
وهمٌ مغلّف بالأمل
في كل زيارة، يوزّع السي المختار نظراته كعرّاف قديم، تاركًا زبائنه يعلقون مصائرهم على تميمة أو رشّة ماء. يعلم أن ما يقدمه مجرد مسرحية من دخان وضوء، لكنه يدعهم يتمسكون بخيط الرجاء الممزق. بجانبه، تختبئ زينب، مساعدته الصامتة، تدير بخفة تفاصيل الخدعة المُلبَّسة وتجمع خيوط الحكايات لتصوغ قدَرًا زائفًا يمهّد لليلة الانكشاف.
الشعوذة والانكسار
في بيت السي المختار، اجتمع الجميع ليلة عاصفة. الأضواء الخافتة رسمت ظلالًا مرتعشة، وملأت رائحة الدخان الثقيل المكان، فتبدو الطقوس عالمًا آخر يختلط فيه الرهبة بالأمل. فجأة، انقطع التيار الكهربائي، ولم تخلف الظلمة العميقة وراءها صمتاً، بل صوت ارتطام قاسٍ لتميمة سقطت على الأرض، صوتٌ بدا كـانكسار سرابٍ قديم. انكشفت الظلمة عن أدوات خداع: لمسات مسرحية، وظلال مرسومة، وخيوط حريرية كانت تحرك دمى الأقدار، سراب طالما اعتقده الناس معجزة.
في الفوضى ارتفعت الأصوات، تتجه أصابع الاتهام هنا وهناك، وتختلط الدموع بالصراخ، وتُرمى التمائم في الفراغ. عند استعادة وعيه، نهض سفيان بصوت ثابت ورزين:
«كفى أوهامًا!لا أحد هنا يملك خلاصًا…لا ستار عطري، لا تعاويذ، لا السي المختار. سأبلغ الشرطة… لن أترك هذه الخدع تقتات على بؤس الناس بعد اليوم.»
كانت كلماته نقطة تحول، دفعت البعض للتشكيك فيما اعتقدوه حقيقة، وكشفت الستار عن السراب الذي غذى هواجسهم ورغباتهم الضعيفة. في تلك اللحظة، بدا أن الليل الطويل بدأ يتلاشى، وأن الضوء الأول يلمح الطريق نحو إدراك الحقيقة.
صبيحة اليوم التالي، كان باب السي المختار موصدًا، وعلى عتبته وُجدت ورقة صفراء بخط مرتجف:
«لم أكن ساحرًا…كنت أخطو في الظلمة مثلكم.التمسوا النور في داخلكم، لا في جلد الضبع.»
خرج الناس صامتين، خطواتهم مثقلة لكنها أخف من الأمس، كأن انكسار الغبار المُتراكم على الروح قد أزال عنهم الغشاوة الطويلة التي كانت تحجب أبصارهم، لتبدأ مرحلة جديدة من الوضوح والفهم. فالخروج من دائرة الخدعة المُلبَّسة ليس سهلاً؛ إنه أشبه بصعود درجات طويلة من السكون المُلبَّد نحو ضوءٍ خافت… ضوء الحقيقة.
وهمٌ في ثوب القداسة
حين يستقر الضعف في النفوس، تتشبث الأرواج بأي خيط ولو كان زائفًا. والسي المختار، بمهارته المسرحية، عرف كيف يبيع السراب متوشحًا برداء القداسة، مستغلاً رعب الناس ورغبتهم في خلاص سريع. لكن الحقيقة، التي لا يطالها أي قناع، واضحة: لا خلاص إلا بمواجهة الذات، والاعتراف بالحقائق مهما كانت قاسية.
مواجهة المجتمع
لم تُجْدِ تبريرات السي المختار ومحاولاته للتلفيق نفعًا؛ فقد سقطت الأقنعة وانكشف المستور أمام أعين الجميع. لم يعد الأمر مجرد سراب عابر، بل تحوّل إلى مواجهة صريحة بين ضحايا الاستغلال وآلياته، مؤشّرًا على أن المجتمع بدأ يرفض هذه الممارسات ويطالب بمحاسبة من يتاجر بآمال الناس وأحزانهم. وليست حكايته حالة معزولة؛ فذاك رجل خسر مدخرات عمره، وتلك امرأة ضحّت بكرامتها بحثًا عن وعدٍ كاذب، وشاب ضاع منه عامان وهو يتنقل بين الأوهام.
ولتكتمل هذه المواجهة، لم يعد الوعي وحده كافيًا؛ فالقانون تدخل ليضع حدًّا لاستغلال هشاشة النفوس ويؤكد أن العدالة ليست مجرد كلمة، بل فعل يحمِي الحق ويكشف الزيف.
درع العقل ووهم الطلاسم
لمواجهة استغلال هشاشة النفوس، لا تكفي كلمات التوعية وحدها؛ فالقانون يقف كدرع يحمي الأجيال، إذ تنص المادة 609 من القانون الجنائي المغربي على تجريم الشعوذة والترويج لها، مع فرض عقوبات صارمة تصل إلى السجن والغرامة. وليس هذا النص القانوني شكليًا، فقد أدينت به حالات كثيرة، بعضها كان يبيع السراب في أحياء شعبية معروفة.
ورغم ذلك، تبقى الظلال الطويلة للتستر الاجتماعي والخوف من الفضيحة تحديًا دائمًا، لتبرز الحاجة إلى أن يصبح الإعلام والمدرسة والفن شعاعًا ينير عقول الأجيال، ويعلم النفوس التمييز بين وهج الحقيقة وخداع الضباب الذي يحجب الشمس. وقد كشفت كثير من التحقيقات الإعلامية هذه الألاعيب، لكنها تبقى نقطة ضوء صغيرة في بحر مظلم يحتاج إلى وعي جماعي لإنارته.
وفي سبيل تقديم بديل حقيقي، أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2022 برنامج “الرقية الشرعية”، مع تأهيل 500 مرشد ديني وتجهيز 50 مركزًا في مختلف المحافظات، لتصبح المؤسسات صدىً للعقل والروح، تحمي من الانغماس في سراب الطلاسم.
قوة المجتمع المدني
إلى جانب القانون، يبرز دور الجمعيات التي تمد يد العون النفسي والقانوني للضحايا، وتكشف الغموض عن الممارسات المشبوهة. فالتوعية وحدها لا تكفي، ولا العقوبة وحدها تفي بالغرض، بل لا بد من تضافر الجهود بين الإعلام، التربية، والدين لتجفيف منابع الخرافة.
سحر في عصر الشاشات
لم تعد الشعوذة مقتصرة على الأزقة القديمة أو أسواق الدار البيضاء؛ بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث ظهر مشعوذون رقميون يغلفون خداعهم بمصطلحات عصرية مثل “تنقية الطاقة” أو “قانون الجذب”. من أعشاب يابسة إلى تمائم رقمية على شبكات البلوكتشين، يظل الهدف واحدًا: استغلال هشاشة النفوس وبيع وعود كاذبة للهاربين من الواقع.
ولم تقتصر الظاهرة على الحدود المحلية، فقد أدت هجرة بعض الممارسين إلى أوروبا إلى ظهور أنماط هجينة تمزج بين التقاليد المحلية وثقافات أفريقية أخرى. تكاثرت على يوتيوب وتيك توك وإنستغرام مئات القنوات المغربية والعربية التي تروج للرقية المبتدعة والطلاسم الرقمية، فانتقل السوق من الزقاق المعتم إلى الشاشة المضيئة، وصار الوهم يُباع بالاشتراك الشهري وبالإعلانات المموَّلة.
نور في زوايا الظل
في زوايا النفوس حيث يختبئ القلق والاضطراب، تتسلل الخدعة المُلبَّسة والأوهام بلا صوت، كما قال المفكر مالك بن نبي: “الشعوذة ابنة شرعية للجهل والخوف”. في مجتمع مثقل بالتحديات، تظل عين الحسود تُرعب و”مخ الضبع” يُتداول سرًا، بينما يبرز دور المجتمع المدني والإعلام والتربية والدين في تمكين الأجيال من التمييز بين الحقيقة والضباب الذي يحجب الشمس.
وهكذا يجد المجتمع نفسه واقفًا بين عالمين: عالم العلم الذي يقدّم نورًا واضحًا، وعالم الخرافة الذي يقدّم جانبًا معتمًا يوهم بالراحة، لكنه يبتلع صاحبه في النهاية.
وتبقى مواجهة الظاهرة مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع، تتطلب مقاربة شاملة تعالج الأسباب العميقة وتوفر البدائل العلمية والروحية، لأن محاربة السراب لا تكون بالقمع فقط، بل بملء الفراغ الذي يملؤه.
الظل الباقي
وحين تنجلي الظلال أخيراً، يرى الإنسان أن النور لم يكن شيئاً خارجاً عنه، بل كان دوماً كامناً في أعماقه، ينتظر فقط لحظة إزالة غشاوة الخوف، ليبزغ من جديد قوةً للوعي وشجاعة للمواجهة.
لكن الواقع في الأزقة يروي قصة أخرى: فعندما ينفد المال وتُحطم آخر تميمة، يبقى اليأس وحيداً وقوراً في الزقاق، صامتاً لا بكاء فيه ولا ضحك. ومع أن السي المختار قد اختفى، فإن غرفة الطقوس لم تُغلق أبداً؛ إذ استأجرها بعد أسبوعين رجل آخر، أحدث سناً وأنقى مظهراً، يحمل نفس الشموع ونفس الابتسامة المحفوظة عن ظهر قلب.
وفي سوق “الجميعة:، عاد «مخ الضبع» إلى رف العرض، بسعرٍ أغلى هذه المرة، لأن الضباع أصبحت أندر، واليأس صار أكثر اتساعاً. أما فاطمة فلا تزال تنتظر عودة زوجها، وسفيان عاد إلى مقاعد الجامعة، لكنه ينظر الآن إلى زملائه بعينين تدركان أن بعض الطلاسم لا تُكتب بالحبر ولا تُعلَّق في الرقاب، بل تُزرع في العقول وتروى بالفقر كل يوم.
وفي ليلة هادئة تمر امرأة شابة أمام البيت القديم، تتوقف برهة، تضع راحة يدها على الباب الموصد، ثم تفتحه وتدخل.
الظل لم ينكسر.
الظل فقط غيّر وجهه.