محمد التاودي
ليس ذلك المغرب المعلّق على واجهات البطاقات البريدية، ولا ذاك الذي تُلمّعه عدسات النشرات السياحية. هناك مغربٌ آخر، خفيٌّ كنبضٍ تحت الجلد، تتجاور في تفاصيله الدقيقة جروحٌ لم تندمل بعد، وولاداتٌ لا تكفّ عن البدء من جديد.
هذا النص لا يسعى إلى وصف البلاد بقدر ما يحاول نزع قناعها، بهدوءٍ حذر، ليرى ما يجري في العمق: طبقاتٌ تتصادم في صمتٍ ثقيل، وتتواطأ في الخفاء، وتتسابق على حوافّ الامتياز، فيما تدفع كلفة البقاء من لحمها اليومي.
إنها مرايا لا تنكسر؛ تعكس وجهاً واحداً من ألف وجه، وتترك البقية معلّقةً في الظل، حيث الحقيقة أكثر تعقيداً مما يُروى، وأكثر إنسانيةً مما يُرى.
سادة الظل والضوء
الأرستقراطيون المغاربة، أولئك الذين تحمل أسماؤهم ظلالَ أسلافٍ حكموا وتركوا أطلالاً من الهيبة، يعيشون في زمنٍ موازٍ: لا تمسّهم فوضى الشارع، ولا يلوّث غبارُ المدينة رداءَ صمتهم.
لهم مدارسُ خاصة تُدرّس أبناءهم كيف يكون الحكمُ بالفطرة، ولهم مصحّاتٌ تنام على حرير، ولهم أحياءٌ تحرسها أشجارٌ معمّرة، وكلابٌ أصيلة، وبوّابون يتكلّمون الفرنسية.
لكن الأرستقراطي المغربي اليوم ليس كما كان بالأمس؛ فقد تقاسم المجدَ مع وافدٍ جديد: البرجوازي، الذي صنع ثروته من لا شيء، من صفقةٍ ذكية، أو مقاولةٍ صاعدة، أو استثمارٍ حادٍّ كسكين. بينهما تحالفٌ هشّ وصراعٌ خفيّ: القديم يحتقر الجديد لأنه لا يحمل شهادةَ ميلادٍ أرستقراطية، والجديد يسخر من القديم لأنه عاجز عن مجاراة روح العصر.
ومع ذلك، فإنهما متى تعلّق الأمر بالحفاظ على الامتياز، يصبحان جسداً واحداً: يدٌ تمنح القروض، وأخرى توزّع الصفقات، وثالثة ترسم حدودَ من يدخل النادي ومن يُطرَد منه.
وليس أبناءُ النخبة جميعهم سواء؛ فبينهم من وُلد وفي فمه ملعقةٌ من ذهب، وبينهم من تربّى على فهم الامتياز كأنه حراسةٌ لا ميراث. بعضهم لا يرث المال فقط، بل يرث مفاتيح العلاقات، وأسماء العائلات، وخرائط المرور إلى المناصب. وهكذا لا تصنع الطبقة العليا ثروتها فقط، بل تعيد إنتاج نفسها عبر الأسماء، والمصاهرات، والولاءات التي تتخفّى في ثياب الأناقة.
وفي الليالي الشتوية، حين تحتضن فيلاتهم الدفءَ والستائرَ المخملية، لا يفكّر أحدٌ منهم في ذلك الوجه الآخر للمدينة. الأرستقراطي يقرأ روايةً أوروبية في مكتبته، والبرجوازي يحسب أرباح الشهر في عزلته. كلاهما يعيش وهمَ الأبدية، وكلاهما لا يسمع نبضَ الشارع.
ومع ذلك، وخلف هذا التماسك الظاهري، يسكن القلق. الأرستقراطي يخشى أن يصبح مجرّد ذكرى أنيقة في كتب التاريخ، والبرجوازي يخشى أن يُطرَد من الحلم الذي اشتراه بماله. كلاهما أسيرُ هاجسٍ لا يُرى: هاجسِ السقوط، وهاجسِ أن يكتشف أن الامتياز ليس قدراً، بل صدفةٌ قابلة للانهيار.
المخزن: السلطان الخفي
وفي قلب هذا المشهد الطبقي، تنبثق طبقةٌ عصيّة على التسمية والرصد؛ طبقةٌ لا تُرى بالعين المجرّدة، لكنها تُحكم قبضتها على خيوط الجميع: المخزن. ليس كياناً واحداً محدّد المعالم، بل نسيجاً متشابكاً من مراكز النفوذ الخفيّة، يُدار باسم الدولة وتُضفى عليه هالةٌ من الشرعية المستمدّة من التقاليد.
الأرستقراطي يستمدّ منه وجاهةَ النسب، والبرجوازي يعقد عبره صفقاته، والموظف البسيط يترقّب منه «توصية» يراها كأنها هبةٌ نادرة. أمّا الفقير، فلا يلمسه منه إلا أثرٌ عابر، كريحٍ لا تهبّ إلا لتأخذ أكثر مما تُعطي.
ومن هنا، لا يعود الصراع بين الطبقات مجرّد تفاوتٍ في المال أو الحظوظ، بل يصبح صراعاً في القرب من هذا المركز الغامض: من يملك مفاتيح المرور، ومن يُترَك خارج الباب.
الطبقة الوسطى وحافة القلق
وإذا كان أهلُ القصور يعيشون هاجسَ الحفاظ على امتيازاتهم، فإن الطبقة الوسطى تعيش هاجساً آخر: الخوف من خسارة ما تظنّ أنها تملكه.
فالطبقة الوسطى في المغرب ليست طبقةً بقدر ما هي حالةٌ دائمة من الترقّب.
لكن ما لا يُقال بصوتٍ عالٍ هو أن هذه الطبقة لا تُنهك فقط بالغلاء، بل بالانتظار أيضاً: انتظارُ وساطة، أو اتصال، أو توصية تفتح باباً مغلقاً. في المغرب، كثيرٌ من الأحلام لا يسقط لأن أصحابها ضعفاء، بل لأن الطريق إليها يمرّ من تحت الطاولة. وهكذا تتحوّل الكفاءة إلى احتمال، ويصبح الاستحقاق مجرّد شعارٍ معلّق على جدار الإدارة.
إنها رجلٌ يضع ربطة عنقه كل صباح ليقود سيارةً مستعملة إلى مكتبٍ لا يرتفع سقفه ولا يتّسع حلمه. وهي امرأةٌ تتقن فنَّ الموازنة بين ميزانية البيت وأحلام الأطفال، بين رغبتها في أن تشبه ملكات الجوار، وبين حقيقة أنها لا تملك إلا آخر الشهر.
هؤلاء هم ضحايا الصراع الصامت: الأرستقراطي يزدري طموحهم، والبرجوازي يستغلّ رهبتهم، والفقير يحسدهم على ما ليس لديهم. تعيش الطبقة الوسطى على حبلٍ مشدود: خطوةٌ إلى الأمام فتُظنّ من الأغنياء، وخطوةٌ إلى الوراء فتهوي إلى هوّة الفقراء.
تحلم بتعليمٍ جيّد لأبنائها، لكن المدارس العمومية تئنّ، والخاصة تبتلع الراتب كلّه. وتحلم بالسكن اللائق، لكن العقار صار سلعةً للمضاربة، والبيوت الصغيرة تُرهن بكل ما يملكون. وتحلم بالصحة، لكن أبواب المصحّات الخاصة مذهّبة، والمستشفيات العمومية مكتظّةٌ بمن هم أكثر فقراً.
وفي صباحٍ عادي، يستيقظ الموظف قبل المنبّه؛ لا لأنه نشيط، بل لأن القلق لا ينام. يفتح هاتفه، ويتفقّد حسابه البنكي كما يتفقّد مريضٌ نبضه. يرتدي ملابسه بعناية، لا حبّاً في الأناقة، بل خوفاً من أن يفضحه الفقر. يخرج إلى الشارع، يبتسم لزملائه، ويخفي في جيبه قائمةً من الالتزامات التي لا تنتهي. ذلك هو يومه: مسرحيةُ إتقان التوازن بين الانهيار والكرامة.
والأشدّ قسوةً من الفقر أحياناً هو الخوف من السقوط إليه. فالطبقة الوسطى تعيش على حافةٍ نفسية دائمة: تُخفي رعشتها الداخلية وراء اللباس المرتّب، وتستبدل الصبر بعباراتٍ مهذّبة، وتحوّل العجز إلى سلوكٍ منضبط. إنها طبقةٌ تتعب من شكل حياتها أكثر مما تتعب من حياتها نفسها.
وفي المقاهي الرخيصة، يتحدّث موظفو الطبقة الوسطى بصوتٍ منخفض عن السياسة، وعن الغلاء، وعن أبنائهم العاطلين. في عيونهم بريقُ الأمس، حين كان التعليم كفيلاً بالصعود، وحسرةُ اليوم، حين صارت الشهادة لا تساوي أكثر من بطاقة تعريف بالجوع. إنهم جيلٌ بكامل أسنانه، لكنه لا يستطيع مضغ الحياة.
بين الأرستقراطي الذي يمتلك الماضي، والبرجوازي الذي يمتلك الحاضر، لا تملك الطبقة الوسطى إلا الهاجس الدائم بالمستقبل.
قارة الظل
لكن إذا كانت الطبقة الوسطى تعاني من القلق، فإن الفقراء يعانون من الجوع والتهميش المضاعف، في قارةٍ موازية لا تَصِلُها الأضواء.
فالفقراء في المغرب ليسوا طبقةً فحسب، بل قارةٌ أخرى. قارةٌ تبدأ من أحياء الصفيح التي تلتصق بمدن الأحلام كالجرب بالجسد الجميل، وتمتدّ إلى قرى الأطلس حيث لا يصل الطريق المعبّد، ولا يُسمع صوتُ المدرسة.
هؤلاء هم العمال الذين يبنون قصور الأغنياء بأيديهم، ثم يعودون إلى أكواخٍ لا تحميهم من المطر. وهم الخادمات اللواتي يربّين أطفال البرجوازية، ويتركن أطفالهن وحيدين في البيوت. وهم الباعة المتجوّلون الذين يملؤون الشوارع حياةً وصخباً، ثم تطردهم قوات الامن كالذباب.
وفي هذا الهامش، يولد اقتصادٌ آخر لا تعترف به الأرقام: اقتصاد الظل. هنا تُصنع الحياة خارج القانون، لا تحدّياً له بل هرباً منه. بائعٌ يفرش رزقه على الرصيف، وحرفيٌّ يعمل في ورشةٍ بلا ترخيص، وامرأةٌ تبيع الخبز من نافذة بيتها. هؤلاء لا يظهرون في تقارير النمو، لكنهم يحملون على أكتافهم نصف البلد.
وفي القرية أيضاً، لا يشتغل الفقر وحده، بل يشتغل التاريخُ القديم بلباسٍ جديد. ما زالت بعض العلاقات تُدار بمنطق الشيخ والمقدّم والوجيه، حيث لا يصل الحق إلى صاحبه إلا بعد أن يمرّ عبر ظلّ السلطة المحلية. هناك، لا يكون القانون غائباً تماماً، لكنه يصل متأخّراً، متعباً، ومحمّلاً بما يكفي من الشروط كي يفقد براءته.
أطراف منسية
وفي أعماق الأطلس والريف، لا توجد «طبقات» بالمعنى الحضري، بل تكاد تقوم طبقةٌ واحدة فقط: طبقةُ من يحرثون الأرض بأظافرهم ويبيعون محصولهم لمن يقرّر سعره. هنا لا يحتاج الغني إلى فيلّا فاخرة ليُظهر تفوّقه؛ يكفيه أن يملك الشاحنة التي تنقل الزيتون، والعلاقات التي تمنحه امتياز التصدير. أمّا الفلاح، فيبقى يحمل في عينيه غبارَ السنين، وفي يده فأساً قديماً، وفي قلبه يقيناً بأن الدولة لا تتذكّره إلا حين تحتاج صوته في الانتخابات أو جسده في شقّ الطرق.
الفقراء في المغرب ليسوا مهمَّشين فقط، بل هم مزدوجو التهميش: يُنسَون في السياسة، ويُستغلّون في الاقتصاد، ويُحتقَرون في الثقافة. حين يمرّ موكب الأرستقراطي بسيارته الفخمة، لا يرى الفقير إلا عدماً. وحين يدخل البرجوازي مطعماً فاخراً، لا يسمع الفقير إلا جوعه. بينهما وادٍ عميق، لا تعبره الجسور إلا نادراً: زواجٌ استثنائي، أو منحةٌ انتخابية، أو كارثةٌ طبيعية تفتح خزائن الرحمة المؤقتة.
وما يوجع الفقير ليس الجوع وحده، بل الطريقة التي يُحدَّث بها العالم عنه. يُقدَّم أحياناً بوصفه مشكلةً يجب تدبيرها، لا إنساناً يجب الإصغاء إليه. يُطلب منه أن يكون صامتاً، راضياً، ممتنّاً، وكأن الفقر امتحانُ أخلاقٍ لا نتيجةُ ظلم. لذلك يتعلّم أن يبتلع الإهانة كما يبتلع اللقمة اليابسة، وأن يواصل السير كأن شيئاً لم يكن.
لكن في عمق الفقير كرامةٌ جامحة. هو يعرف أنه لا يملك المال، لكنه يملك أنفةً لا يدركها السادة. ويعرف أن بيته صغير، لكن بابه مفتوحٌ للجار. ويعرف أن طبقته لا صوت لها، لكنه يحلم بصوتٍ يدوي ذات يوم. وهذه هي المفارقة الأليمة: الفقير في المغرب هو الأكثر إنتاجاً للحياة، والأقل حصولاً على ثمارها. هو من يزرع القمح، ويشيّد الجدران، وينظّف الشوارع، ويحمل الأثقال، ثم إذا جاع قيل له: «أنت كسول».
مرايا المدينة والجسد والرقم
بعد هذا الامتداد الريفي والهامشي، نصل إلى المدينة، حيث تتكثّف التناقضات وتصبح الفوارق أكثر انكشافاً.
فالصراع ليس في المدينة وحدها، بل بين المدن نفسها أيضاً. هناك مغربٌ يُستثمر فيه، ومغربٌ ينتظر دوره منذ عقود. مدنٌ تلمع في الخرائط الرسمية، وأخرى لا تُذكر إلا في نشرات الطقس.
والتفاوت هنا ليس فقط بين الناس، بل بين الأمكنة: جغرافيا تُكافئ، وأخرى تُعاقِب.
أمّا المدن الصغيرة، فهي المسرح الذي لا يراه أحد. هناك لا توجد فيلاتٌ فاخرة كثيرة، ولا أسواقٌ ضخمة، لكن التفاوت أكثر قسوة لأنه مكشوف. ترى الموظف البسيط محاصَراً بالقروض، والتاجر الصغير يقاتل من أجل البقاء، والمعلّم يجرّ روحه بين مدرسةٍ منهكة وبيتٍ لا يكفيه راتبه. في تلك المدن، لا يلمع الغنى كثيراً، لكنه يكفي ليذكّر الجميع بأنهم في الصفّ الخطأ.
وتتجلّى حدّة الصراع الطبقي في المدينة المغربية المعاصرة أكثر من أي مكان آخر. فالدار البيضاء، بتلالها الفاصلة بين الأحياء الأرستقراطية ككليفورنيا والأحياء الفقيرة كالحيّ المحمدي، ليست مجرد مدينة، بل مرآةٌ مكسورة. هنا، وعلى بُعد أمتار، يتنفّس عالمان هواءً مختلفاً: عالمٌ يتسوّق في المراكز التجارية الكبرى ويشتري العطور الفرنسية، وعالمٌ يتزاحم في الأسواق لشراء الخبز القديم.
ومراكش، التي تفتح ذراعيها للسياح الأثرياء، تخفي في جعبتها فقراً يضرب أعماق النخيل. في القصور المخفية، يتباهى الأرستقراطيون بفنّ الزليج والخشب المنقوش، وفي الأحياء الشعبية ينام عشرة أشخاص في غرفةٍ واحدة. هذه المدينة الساحرة هي أكبر كذبةٍ جميلة في المغرب: واجهةٌ من حكايات ألف ليلة وليلة، وخلفها جحيمٌ صامت.
والبرجوازي الجديد لا يسكن بعيداً عن الأرستقراطي القديم، لكنه يحاول تقليده. يشتري اللوحات الفنية، ويعلّم أبناءه الرقص والبيانو، ويحلم بدخول الأندية المغلقة.
لكن الأرستقراطي يبتسم في سرّه: «لن يكون منهم أبداً». والفقير يراقب هذا الصراع من بعيد، ولا يفهم لماذا يتقاتل الأغنياء على مَن هو أغنى، بينما هو يبحث عن رغيف.
صف واحد، طريقان
ومع ذلك، فإن المغرب لا يخلو من فضاءٍ واحدٍ يجمع الطبقات ظاهرياً: المسجد. هناك يقف الجميع صفّاً واحداً، كتفاً بكتف؛ يهمس الفقير بدعاءٍ يطلب فيه الرزق، ويهمس الغني بدعاءٍ يطلب فيه الحفاظ على ما يملك. لكن حين تنتهي الصلاة، يعود كلٌّ إلى وسيلته: سيارةٌ فخمة تتوقّف أمام بابٍ حديدي، ودراجةٌ قديمة تُترك في الشارع.
وهنا تكمن قيمة المسجد العظيمة: إنه المساحة الوحيدة التي تكسر، ولو لوقت قصير، جدران التباعد الاجتماعي. فهو لا يُطلب منه أن يحقق العدالة المطلقة، فهذا شأن المجتمع والقوانين والقلوب.
لكن ما يفعله المسجد، ولا يستطيع أي مكان آخر أن يفعله بنفس السهولة والقداسة، هو أنه يمنح الفقير والغني فرصة نادرة للوقوف وجهاً لوجه، كتفاً بكتف، والتعارف دون وساطة أو تكلف. يكفيه فخراً أنه هذا اللقاء الإنساني المباشر بين طبقات قد لا تلتقي إلا فيه.
وإذا كان المال هو الوجه الأكثر وضوحاً للصراع، فإن له أدواتٍ أخرى أكثر خفاءً وفاعلية: اللغة، والتعليم، والصورة، والجسد.
فاللغة أولى هذه الرموز. الأرستقراطي يتحدّث الفرنسية كأنها أمّه، والبرجوازي يتقنها ليرتقي، والفقير لا يعرف من العربية الفصحى إلا ما بقي في ذاكرته من المدرسة، إن دخلها أصلاً. في الإدارة، وفي الشركات الكبرى، وفي المناقصات، وفي المحاكم، اللغةُ هي الباب. ومن لا يتقن الفرنسية يُصاب بصمتٍ قسري، كأن لسانه مغلول.
وليست اللغة أداةَ تواصلٍ فقط، بل تصبح أحياناً امتحاناً للانتماء. من يتلعثم في الفرنسية يُعامَل كأنه أقلّ ذكاء، ومن يتحدث بالعربية وحدها يُدفع إلى الهامش كأنه يعتذر عن وجوده. هكذا لا تُستعمل اللغة لقول الحقيقة، بل لتوزيع الرتب، ويصير اللسان نفسه بطاقةَ عبورٍ إلى العالم أو وثيقةَ إقصاءٍ منه.
ثم يأتي الإعلام ليعيد ترتيب المشهد. شاشاتٌ تلمّع حياة القلّة وتجمّل الفوارق، وإعلاناتٌ تبيع أحلاماً لا يملكها إلا من صمّموها. الفقير يرى نفسه غائباً، والطبقة الوسطى ترى نفسها أقلّ مما يجب، والغني يرى نفسه طبيعياً. وهكذا لا يُعاد إنتاج التفاوت بالمال فقط، بل بالصورة أيضاً.
الجدار الرقمي
ولم يعد الصراع يحتاج إلى أسوارٍ من حجارة، فقد ارتفعت في سماء المغرب جدرانٌ رقمية غير مرئية. الإنترنت، الذي وُعدنا به فضاءً للمساواة، صار مرتعاً جديداً للفرز الطبقي.
هناك، خلف شاشات الهواتف الفارهة، يعيش أبناء الطبقة العليا في منصّاتٍ بصرية تلمع كقطعة كريستال، يعرضون أسفارهم وطقوس بذخهم كأنها الهواء الطبيعي. بينما يكتفي ابن الطبقة الوسطى بفرجة الحسرة، ويغرق الشاب الفقير في مستنقع تطبيقات المقاطع القصيرة، باحثاً عن درهمٍ من تحدٍّ مهين، أو شهرةٍ زائفة تعوّض واقعاً منسياً.
فالتكنولوجيا في المغرب لم تهدم الفوارق، بل جعلتها بثّاً مباشراً يدمي القلوب. وصار الاتصال القويّ بالإنترنت امتيازاً، فيما ينقطع خيط التواصل مع العالم في قرى الأطلس البعيدة بمجرد هبوب ريحٍ خفيفة.
بل إن الجسد نفسه يصبح أداةً للتمييز. الأرستقراطي يمتلك جسداً ممشوقاً تصنعه الرياضة في النوادي المغلقة، والبرجوازي يحاول اللحاق به، والفقير جسده متعبٌ من العمل الشاق وسوء التغذية.
في المستشفيات الخاصة، يُعالَج الأغنياء بأيدي أطباء اختصاصيين، وفي المستشفيات العمومية يموت الفقراء في الممرات. الجسد الطبقي لا يُقرأ فقط في الثياب، بل في الصحة، وفي العمر المتوقَّع، وفي طريقة المشي، وفي الابتسامة التي تخلو من الأسنان السليمة.
الضحايا الخفيون وإمكان التغيير
وإذا كانت هذه الأدوات تعيد إنتاج التفاوت، فإن هناك فئاتٍ تدفع الثمن مضاعفاً في معركة الطبقات: المرأة، والشباب، والقروي، والمهاجر.
فالمرأة الفقيرة تقف في أسفل الهرم: تعاني من فقر الرجل، ومن ثقافةٍ ذكورية تستغلّها خادمةً وسلعةً وجسداً للمتعة الرخيصة. والمرأة من الطبقة الوسطى تعاني من الانقسام: مطالَبةٌ بأن تكون متعلّمة، وعاملة، وأمّاً، وزوجة، بينما المجتمع لا يمنحها دعماً كافياً. أمّا المرأة الغنية، أرستقراطيةً كانت أم برجوازية، فتعاني من نرجسيةٍ بيضاء؛ تُستعمل واجهةً للعائلة الثرية، لكن القرارات المهمّة تبقى للرجل.
وفي الريف، تتضاعف المسافة بين المرأة والحياة. فهي تعمل في الأرض، وفي البيت، وفي الصمت، ثم تُسند إليها مهمة الحفاظ على التوازن في عالمٍ لا يعترف بتعبها. تحمل الماء، وتطبخ، وتربّي، وتنتظر، وكأن وجودها كلّه تدريبٌ يوميّ على الاحتمال. ومع ذلك، تبقى هي العمود الذي لا يُرى، واليد التي ترفع السقف من دون أن تُذكر في البناء.
تخيّل امرأةً تستيقظ قبل الفجر، لا لتلتحق بعملٍ يحترمها، بل بيومٍ يستهلكها. تنظّف بيوتاً ليست لها، وتطبخ طعاماً لا تأكله، وتعود مساءً لتجد أبناءها قد كبروا قليلاً من دونها. هي لا تطالب بالكثير، فقط بحياةٍ لا تشبه التعب. لكنها، في صمتها الطويل، تختزن صرخةً لو خرجت لزلزلت هذا التوازن الهش.
أمّا الشباب، فهو الجرح النازف. شباب الأرستقراطية يضمنون مناصبهم بالوراثة، وشباب البرجوازية يدخلون شركات آبائهم، وشباب الطبقة الوسطى ينتظرون مباراةً لا تأتي أو هجرةً لا تتم، وشباب الفقراء يلقون بأنفسهم في البحر الأبيض المتوسط بحثاً عن حلم أوروبا. في هذا المشهد تُقرأ المأساة بوضوح: الطبقة العليا تورّث الامتياز، والطبقة الدنيا تورّث الفقر، والوسطى تورّث القلق.
والهجرة ليست مجرد انتقالٍ جغرافي، بل قفزةٌ طبقية مؤجّلة. حين ينظر الشاب إلى البحر، لا يرى ماءً، بل مرآةً تعكس احتمالاً آخر لنفسه. أوروبا، في خياله، ليست قارة، بل طبقةٌ اجتماعية جديدة؛ لذلك لا يخاف الغرق بقدر ما يخاف البقاء.
وبعض الشباب لم يعد يحلم فقط بالسفر، بل بالظهور أيضاً. ففي فضاءٍ يلمع من بعيد، صار الاعتراف الاجتماعي يُطلب عبر الشاشة: صورةٌ جميلة، ومقطعٌ سريع، ومتابعةٌ أكثر، ثم لحظةُ وهمٍ بأن العالم بدأ يراه. لكن الخيبة الرقمية لا تختلف كثيراً عن خيبة الواقع؛ كلاهما يعد ولا يُنقذ، وكلاهما يترك الشاب واقفاً بين حياةٍ لا تكفي، وصورةٍ لا تُشبع.
والقروي، ابنُ الأرض المنسية، هو البعد الآخر للصراع. فالقرى المغربية لا تعرف الطبقات بالمعنى الحضري، لكنها تعرف سيّداً وأجراء. الفلاح الفقير يملك أرضاً صغيرة لا تُسقى، ويظلّ مديوناً للتاجر الذي يشتري محصوله بسعر الجوع.
والسلطة المحلية في يد قلّةٍ من الأسر القروية الثرية التي تتحالف مع البرجوازية الحضرية وتستغلّ من تبقّى. القروي ليس فقط فقيراً، بل مقطوعٌ عن الخدمات، وعن القضاء العادل، وعن المدرسة، وعن الدواء. هو المواطن من الدرجة الثانية، والفقير الذي لا يراه أحد لأنه يسكن خلف الجبال.
المهاجرون: حضور من بعيد
وثمّة طبقةٌ رابعة غير مرئية: طبقةُ المهاجرين الذين غادروا ليبقوا. هم لا يسكنون هنا، لكنهم يغذّون كلّ الطبقات. تحويلاتهم تبني بيوتاً في الدواوير، وتسدّد ديون الطبقة الوسطى، وتموّل مشاريع البرجوازي الجديد.
يعودون في الصيف بسياراتٍ وملابس أوروبية، فيُعامَلون كأنهم «أثرياء مؤقّتون»، ثم يعودون إلى الغربة تاركين وراءهم حنيناً، وغيرةً، وشعوراً بالعجز لدى من بقي. هم الذين يحوّلون الفقر إلى مالٍ يُرسل عبر الهاتف، ويحوّلون الغياب إلى استثمارٍ طبقي.
هل يتصدّع الجدار؟
وبعد هذا المشهد المركّب، يبرز السؤال الأصعب: هل يبقى هذا الجدار قائماً إلى الأبد، أم أن فيه شقوقاً تتّسع ببطء؟
فالصراع بين الطبقات في المغرب ليس صراعاً مكشوفاً، بل صراعٌ بارد. نادراً ما يهتف الفقراء في الشوارع مطالبين بالمساواة، لأن الخوف أكبر من الغضب، والجوع أشدّ من الاحتجاج.
لكن ثمّة لحظاتٍ استثنائية تنفجر فيها البراكين: مظاهرات هنا وهناك، أو انتفاضات الغلاء في المدن الصغيرة، أو إضرابات العمال في المصانع المستغَلّة. في تلك اللحظات، يرى الأرستقراطي من شرفة قصره دخاناً في الأفق، ويشعر البرجوازي بارتجاجٍ خفيف تحت قدميه، وتتنفّس الطبقة الوسطى الصعداء: «أخيراً، أحدٌ يتكلّم باسمنا».
والاحتجاج في المغرب ليس لحظةَ غضبٍ فقط، بل هو ذاكرةٌ تتنقّل بين الأجيال. كلُّ حركةٍ صغيرة تترك أثراً، وكلُّ صرخةٍ لا تُكمل طريقها تظلّ تعمل في الخفاء. قد تُطفأ الشعلة في الشارع، لكنها تبقى مشتعلة في اللغة اليومية، وفي النكتة، وفي الأغنية، وفي ذلك الرفض الصامت الذي لا يراه أحد حتى يتحوّل إلى موجة.
ولا يواجه النظامُ الغضبَ دائمًا بالقمع، بل قد يلجأ أحيانًا إلى الاحتواء أو التدجين. يُفتح بابٌ صغير في جدارٍ كبير، فيندفع نحوه الجميع. وتُمنح فرصةٌ لفردٍ، فيهدأ جمعٌ. وتُروى قصةُ نجاحٍ واحدة، فتُنسى آلافُ القصص التي لم تُكتب.
وهكذا يتحوّل الغضب من موجةٍ جماعية إلى حكاياتٍ فردية متفرّقة.
لكن سرعان ما يعود الهدوء، وتُشرَع النوافذ، وتُلفّ المدينة بغطاء النسيان. الطبقة العليا تعرف كيف تشتري الولاءات: منحةٌ هنا، ووظيفةٌ هناك، وشفاعةٌ لابن الجيران. والطبقة الوسطى تتراجع إلى رهبتها المعتادة: «ربما لو صبرنا أكثر…». والفقير يعود إلى كفاحه اليومي، لأنه لا وقت لديه للثورة وهو يبحث عن قوت يومه.
ومع ذلك، ثمّة تحوّلاتٌ بطيئة. فالتعليم، رغم أزمته، لا يزال ينتج بعض الصاعدين. والهجرة تمنح بعض الفقراء فرصة الإرسال. والنضال النسائي، والنقابي، والحقوقي يخترق جدران الصمت. والمغرب، في عمقه، ليس مستسلماً للطبقة العليا كما قد يبدو. فيه وعيٌ متنامٍ بأن التفاوت ليس قدراً، بل سياسات. وفيه إرثٌ من العدالة الاجتماعية يعود إلى أيام نضالات اليسار والنقابات المستقلة. الفجوة لا تزال هائلة، لكن ثمّة من يحفر نفقاً تحت الجدار.
المائدة والفرز
وحتى المائدة المغربية، التي كانت يوماً رمزاً للالتفاف والجماعة، صارت ميداناً للفرز. في أحياء النخبة، تُهجَر «القصعة» الجماعية لصالح أطباقٍ فردية صامتة مستوحاة من مطابخ الموضة العالمية، حيث يُقاس الرقيّ بمدى الابتعاد عن خبز الدار.
وفي بيوت الطبقة الوسطى، يحضر الدجاج «المحمّر» ضيفاً ثقيلاً في المناسبات، يُطبخ بكثيرٍ من التظاهر وقليلٍ من الراحة النفسية. أمّا في بيوت الفقراء، فقد انحسر الأكل ليصير خبزاً وشاياً في مواجهة غلاء الزيت والسكر.
الصراع الطبقي في المغرب يُهضم كل يوم، واللقمة التي كانت توحّد الناس صارت اليوم تفرّقهم؛ فهناك من يأكل ليعيش، وهناك من يأكل ليُري العالم أنه يملك ثمن ما يأكل.
لوحة ناقصة
وهكذا يبقى المغرب لوحةً فنية غير مكتملة: ألوانُها زاهيةٌ في الأعلى، وداكنةٌ في الأسفل، وخطوطُها متشابكةٌ بين الأرستقراطي الذي يرفض أن يموت، والبرجوازي الذي يلهث خلف الشرعية، والطبقة الوسطى التي تتسكّع على الحافة، والفقير الذي يصنع الجمال من دون أن يراه أحد. هذه اللوحة لا تحتاج إلى من يمدحها، بل إلى من يعيد رسمها.
ولا ينبغي أن ننسى الثقافة، فهي المرآة التي تكشف ما تحاول الطبقات إخفاءه. في المسرح، وفي الأدب، وفي الموسيقى، يخرج ما لا تسمح به الصالونات المغلقة: صوتٌ خافت يفضح التفاوت، وذاكرةٌ جماعية ترفض أن تُمحى. هناك، يجد الفقير اسماً لوجعه، ويجد ابن الطبقة الوسطى تفسيراً لارتباكه، ويكتشف الغني أن الصمت ليس دائماً علامةَ قوة، بل قد يكون بدايةَ العجز عن الفهم.
السلاح الأخير
لكن في خضمّ هذا الصراع البارد، ثمّة سلاحٌ لا تملكه إلا الطبقات الدنيا: الثقافة الشعبية. في الأغنية الشعبية، وفي النكتة المرّة، وفي الحكاية التي تُروى حول نار الشتاء، وفي الراي، والشعبي، والعيطة، ينتقم الفقير والمهمَّش من كلّ ما سُلب منه.
هنا لا تحتاج الطبقة الوسطى إلى شهادة، ولا يحتاج الفقير إلى توصية؛ يكفي أن يغنّي «يا ليل» بصوتٍ مكسور حتى يشعر أنه يملك شيئاً لا يستطيع الإقطاعي شراءه. الثقافة هي المرآة الوحيدة التي تعكس وجوههم كاملة، من دون تشويه.
وربما لا يبدأ التغيير من الثورة الكبيرة، بل من كسر العادة التي تجعل الفوارق تبدو طبيعية. حين يدرك الناس أن الفقر ليس خصلةً أخلاقية، وأن الغنى ليس شهادةَ تفوّق، وأن السلطة ليست قدراً أبدياً، يبدأ الجدار بالتشقّق. عندها فقط، يصبح السؤال ممكناً: من يملك الحق في رسم البلاد، ومن حُكم عليه أن يبقى في الهامش؟
فهل من فنّانٍ يعيد توزيع الألوان؟ أم أن هذا المشهد سيبقى أبداً حكايةً تُروى ولا تُعاش؟
وفي النهاية، يظلّ المغرب لغزاً لا يفكّه إلا من عاش فصوله كلّها: طعم الخبز اليابس في دوّارٍ منسي، وعبق الياسمين في حديقة قصر، وقلق منتصف الشهر في بيت موظف. قد لا تنهار الجدران غداً، لكن ثمّة من يهمس خلفها بأن العدالة ليست حلماً، بل وعدٌ ينتظر من يفي به. وما أجمل أن نظلّ نحلم بها، والأجمل من ذلك أن نعمل على تحقيقها.