مكتب “النسبية” – نيويورك
لم يكن خطاب “حالة الاتحاد” الذي ألقاه دونالد ترامب يوم أمس مجرد عرض لسياسات الدولة، بل كان استعراضاً هوليوودياً بامتياز، حاول من خلاله بيع “وهم الطمأنينة” لشعب يعيش تحت وطأة انقسام عميق.
وبينما كان ترامب يوزع الوعود بـ “عصر ذهبي” لا يراه سواه، كانت المقاعد الفارغة لخصومه السياسيين تصرخ بحقيقة لا يمكن حجبها ببريق الكلمات: أمريكا اليوم ليست “متحدة”، بل هي ساحة لمعركة إرادات يقودها رئيس لا يعترف إلا بلغة الصفقات والخصومة.
نفط اليوم مقابل مستقبل الغد
تحدث ترامب عن انخفاض أسعار الوقود وكأنها “منّة” شخصية، متجاهلاً التكلفة البيئية والمناخية لسياسة “احفر يا بني، احفر” التي قد ترهن مستقبل الأجيال القادمة مقابل انتصار شعبي آني.
أما حديثه عن التضخم والرسوم الجمركية، فما هو إلا مقامرة اقتصادية كبرى؛ ففرض ضرائب شاملة بنسبة 10 في المائة على الواردات قد يبدو “وطنياً” في الخطابات، لكنه في الواقع “ضريبة خفية” سيتحملها المواطن البسيط عند رفوف المتاجر، مهما حاول البيت الأبيض تجميل الحقيقة بالأرقام المضللة.
الاستثمار في “فوبيا” الحدود
وفي الفصل الأكثر قسوة، انتقل العرض إلى ملف الهجرة، حيث غلف ترامب خطاب الكراهية بوشاح “الأمن القومي”. إن التباهي بـ “أكبر عملية ترحيل في التاريخ” وتصنيف المهاجرين كـ “غزاة” ليس سوى استثمار دنيء في الخوف. لقد حوّل الرئيس الحدود إلى “ثكنة عسكرية” والسياسة الإنسانية إلى “مطاردات بوليسية”، متناسياً أن قوة أمريكا لم تبن يوماً بالأسوار، بل بالعقول التي عبرت تلك الحدود بحثاً عن الأمل، لا عن الزنازين.
صفقات خلف أقنعة المبادئ
أما المشهد الأكثر سريالية، فكان التحول الدراماتيكي تجاه فنزويلا. فبعد سنوات من شيطنتها، تحولت فنزويلا فجأة إلى “شريك وصديق” بمجرد أن لاحت رائحة النفط الرخيص في الأفق. هذا النوع من البراغماتية المتوحشة يثبت أن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي لطالما تغنت بها واشنطن ليست سوى أوراق لعب يتم حرقها فور نضوج “الصفقة” المناسبة مع أي نظام، طالما أنه يخدم “أنا” الرئيس.
عظمة زائفة أم واقع مرير؟
لقد كان خطاب الأمس إعلاناً عن انتصار “الأنا السياسية” على روح المؤسسات. وبينما كان الرئيس يغادر القاعة وسط تصفيق أنصاره المتحمسين، بقي السؤال المعلق في الهواء: ماذا يبقى من “عظمة أمريكا” إذا غابت عنها الوحدة، وتحولت سياستها إلى مجرد “مبيعات” في سوق العقارات العالمي؟ إن “العصر الذهبي” الذي يبشر به ترامب قد لا يكون سوى قشرة مذهبة تخفي تحتها تصدعات اجتماعية وسياسية قد تنهار عند أول هزة حقيقية، لتكشف لنا أننا أمام “أمريكا المنقسمة” لا “أمريكا العظيم.