“النسبية”
بينما كانت عواصم “الثلاثي الكبير” في أوروبا — لندن وباريس وبرلين — تهرع إلى صياغة بيان مشترك يبارك الخطوات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ويفتح الباب أمام “عمليات دفاعية هجومية”، اختارت مدريد أن تقف في مكان آخر تماماً. لم يكن رفض إسبانيا السماح باستخدام قاعدتي “روتا” و”مورون” مجرد قرار إجرائي، بل كان إعلاناً عن هوية دبلوماسية مستقلة ترفض أن تكون “ملحقاً لوجستياً” في صراع تراه غير مبرر قانونياً.
بيان التبعية مقابل صوت العقل
لقد جاء بيان (فرنسا، ألمانيا، والمملكة المتحدة) كصك تأييد واضح لواشنطن، معبراً عن استعداد هذه الدول للمشاركة في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية. في المقابل، جاء رد الحكومة الإسبانية، حاداً ومباشراً: إسبانيا تدين الهجمات الإيرانية، لكنها تدين أيضاً “العمل العسكري أحادي الجانب” الذي يغذي دوامة العنف. هذا التمييز يضع إسبانيا في منزلة “ضمير أوروبا” الذي يذكر الجميع بأن السيادة الوطنية والالتزام بميثاق الأمم المتحدة يجب أن يعلوا فوق سياسة المحاور.
لماذا قالت مدريد “لا” في وجه أمريكا؟
في حين يرى الثلاثي الأوروبي في التصعيد وسيلة لردع طهران، ترى مدريد أن الانخراط في هذه الحرب من شأنه أن يزعزع استقرار المتوسط ويحول القواعد العسكرية على أراضيها إلى أهداف مشروعة للرد، كما حذرت طهران بوضوح. إن الموقف الإسباني يرتكز على ثلاث ركائز هامة جعلها تتميز عن جيرانها الأوروبيين:
أولا، رفض أي تحرك خارج مظلة الأمم المتحدة استنادا على الشرعية الدولية.
ثانيا، التأكيد على أن “الاستخدام المشترك” للقواعد مع واشنطن لا يعني التنازل عن القرار السيادي الإسباني.
ثالثا، تغليب الروح الدبلوماسية ودلك بالإصرار على العودة لطاولة المفاوضات بدلاً من لغة الصواريخ.
صوت التوازن والاعتدال
لقد أثبتت إسبانيا أنها ليست مجرد رقم في معادلة الأطلسي، بل هي شريك يملك القدرة على قول “لا” عندما تتعارض رغبات الحلفاء مع مقتضيات السلم الإقليمي. وبينما يختار الثلاثي الأوروبي الانزلاق نحو صراع مفتوح، تظل مدريد متمسكة بموقفها كصوت للتوازن والاعتدال، مؤكدة أن أمن أوروبا لا يُبنى بتدمير الآخرين، بل باحترام القانون الدولي فوق كل اعتبار