راوول مسيليتا
لم تكن مصادفة أن تشتعل الميادين في سائر المدن الأمريكية في الثلاثين من مارس. فبينما كان العالم يحيي ذكرى يوم الأرض الفلسطيني، رمز الصمود الأسطوري ضد الاقتلاع والتهجير، كانت شوارع واشنطن ونيويورك وسانت بول تشهد ولادة “يوم أرض” أمريكي جديد تحت شعار “لا ملوك”.
إن ثمانية ملايين حنجرة صرخت في وجه ترامب لم تكن تطالب فقط بإصلاحات إدارية، بل كانت تعلن سقوط القناع عن نظام استبدادي إمبريالي يمارس القمع العابر للحدود؛ نظام يمول الاحتلال وإبادته الجماعية في فلسطين ويمارسه ضد مواطنيه ومهاجريه في الداخل الأمريكي.
عسكرة القمع: من القدس إلى مينيسوتا
إن المشهد في مدينة “سانت بول” بولاية مينيسوتا، حيث استخدمت القوات الفيدرالية كمليشيات لقمع المدنيين العزل، يعيد إلى الأذهان ذات المشاهد التنكيلية في القدس والجليل وباقي مدن غزة والصفة الغربية والقدس. ليس هناك فرق جوهري بين “عقلية الجدار” التي تدعمها إدارة ترامب في فلسطين، وبين “عقلية الثكنة” التي يحاول فرضها داخل الولايات المتحدة. إن السياسة التي تشرعن سرقة الأرض الفلسطينية وإدامة احتلالها من قبل القادة الصهاينة، هي ذاتها التي تشرعن اليوم سحق الحريات المدنية الأمريكية باسم “الأمن القومي” المزعوم.
لقد توحدت جبهات النضال المدني؛ فالحجر الفلسطيني الذي يقاوم آلة الحرب الصهيونية يجد صداه اليوم في قبضة المتظاهر الأمريكي الذي يرفض تحويل “المكتب البيضاوي” إلى عرش ملكي تمول حملات قمعه واستبداده الأوليغارشية الجديدة.
ثلاثية الاستبداد والتحالف العضوي
إن الربط بين يوم الأرض الفلسطيني واحتجاجات “لا ملوك” يثبت أن التيار التقدمي العالمي قد أدرك أن العدو واحد. إن الإدارة الأمريكية التي تدفع بالمنطقة نحو حافة الهاوية عبر التصعيد العسكري في إيران والشرق الأوسط، هي ذاتها التي تخوض حرباً طبقية وعرقية ضد الفقراء والمهمشين في أمريكا.
لذلك، تأتي الدعوة لـ الإضراب الوطني الشامل في الأول من مايو كاستكمال لهذا المسار النضالي. لن يكون مجرد يوم للمطالب العمالية، بل سيكون يوماً للتضامن الأممي مع كل أرض مغتصبة، ومع كل شعب يقاوم التغول السلطوي الإمبريالي.
إن التاريخ لن يرحم المتفرجين. كما سوف لن يرحم الأنظمة العربية الرجعية التي طبعت مع قادة دولة الاحتلال الصهيوني، فإما أن نكون مع الأرض الفلسطينية — بقدسيتها وحريتها وعدالة قضية شعبها — وإما أن نكون مع “الملوك” الذين يظنون أن عروشهم فوق إرادة الشعوب.
اليوم، ومن قلب واشنطن، يتردد صدى النشيد الفلسطيني: “هنا باقون.. كأننا عشرون مستحيل”، ليعلن للعالم أن عهد الاستبداد، مهما تجبر، آيل إلى زوال والتاريخ شاهد على زواله واندحاره.