بقلم: راوول مسيليتا
لم تكن قيتارة فيكتور خارا مجرد خشب وأوتار، بل كان صرخةً ممتدة من جبال الأنديز لتستقر في وجدان كل من آمن بأن الكلمة هي الرصاصة الأولى في وجه الاستبداد. وحين غنت فيوليتا بارا “شكراً للحياة”، لم تكن تودع العالم، بل كانت تضع حجر الزاوية لذاكرة جمعية علمت الشعوب كيف تحول “الألم” إلى “فعل سياسي”.
والتساؤل الذي يفرض نفسه اليوم، ونحن نرقب التحولات الكبرى في المكسيك عام 2026، حيث يكسر اليسار الراديكالي قيود التبعية ليصعد إلى سدة السلطة مستنداً إلى ظهير شعبي كاسح: هل تلك الأوتار القديمة كانت بذوراً تحت الركام؟ وكيف استطاع اللاتينيون تحويل “النوتة الموسيقية” إلى “مشروع حكم”، بينما بقيت أوتارنا الاحتجاجية العربية معلقة على مشانق الانتظار؟
الأغنية كبيان سياسي: خارا وبارا والروح التي لم تمت
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ولدت حركة “الأغنية الجديدة في أمريكا اللاتينية كفعل مقاومة ثقافي. لم يكن الفنان مجرد مغني يؤدي الأغنية تم يرحل، بل كان “مثقفاً عضوياً” يشتبك مع قضايا الأرض والإنسان والحرية والكرامة. فيكتور خارا، الذي دفع حياته ثمنًا لموقفه في ملعب تشيلي، ترك لنا بيانا موسيقياً وغنائيا يقول: “الحقّ في العيش بسلام، كطائرٍ لا يكسرُ الريحَ في طيرانه، نغرسَ بذورَنا في أرضٍ طاهرة.. فقيتاري ليس لزينةِ القصور، بل هو صرخةُ عاملٍ يحلمُ بفجرٍ لا يُباع”.
هذا الربط الوجدانى يتقاطع بشكل مذهل مع الأغنية الاحتجاجية العربية؛ من إرث الشيخ إمام ومارسيل خليفة ومصطفى الكرد إلى أغاني ساحات التحرير. كلاهم سلاح ضد أنظمة الاستبداد، لكن الفارق يكمن في “المآلات السياسية” والقدرة على الانتقال من “الحنجرة” إلى “القرار”.
النموذج المكسيكي: حين تصبح “الأغنية” قانوناً
ما يحدث في المكسيك اليوم هو “تأميم” للرموز الثقافية وتحويلها إلى هوية سياسية صلبة. اليسار الراديكالي المكسيكي لم يكتفِ بترديد الأغاني في المسيرات، بل حول فلسفة فيوليتا بارا في “العودة للجذور” إلى برنامج عمل حقيقي مكنه من اكتساب شعبية كاسحة:
السيادة على الموارد: استعادة السيطرة على الطاقة والثروات الطبيعية قُدمت للشعب كاستكمال لقصيدة “الحق في العيش بسلام”؛ حيث لا سلام حقيقي دون استقلال اقتصادي ولا كرامة دون الاعتراف بحق الشعب في ممارسته إرادته واختياراته.
الإصلاح القضائي الجذري خرج من صلب الإرادة الشعبية
إن جرأة اليسار المكسيكي في اقتحام “المناطق المحرمة” -مثل انتخاب القضاة بالوزن الشعبي وتطهير المؤسسات – هي تجسيد لرغبة فيكتور خارا القديمة تطهير الأرض” من إرث النخب والتبعية.
العدالة الاجتماعية كفعل
تحويل شعارات “شكراً للحياة” للمغنية تشيلية فيوليتا بارا، إلى الزيادة في لأجور وتوسيع لشبكات الأمان الاجتماعي، جعل المواطن المكسيكي يشعر بقيمة العدالة الاجتماعية و يرى في هذا التيار الغنائي “وفاءً بالعهود القديمة” التي عُزفت يوماً ما على القيتار”
لماذا نجحوا وفشلنا؟
تكمن قوة اليسار اللاتيني العقلاني في قدرته على بناء “كتلة تاريخية” تجمع بين المثقف، الفنان، والعامل. الأغنية كانت “الصمغ” الذي ربط هذه المكونات وحولها إلى قوة تصويتية جبارة لا يمكن كسرها.
في المقابل، ظل اليسار العربي في كثير من الأحيان أسيراً للنخبوية أو ل “نوستالجيا” الأغنية الاحتجاجية، دون أن يمتلك الأدوات السياسية أو الجرأة الهيكلية لتحويل تلك الأغاني ومضامينها إلى “مشروع سلطة ديمقراطية” حقيقي قادر على صياغة الواقع بدلاً من الاكتفاء برثائه.
العودة إلى المستقبل
إن انتصار اليسار الراديكالي في المكسيك عام 2018 وعام 2025 ليس مجرد دورة سياسية عابرة، بل هو انتصار للثقافة المقاومة التي أبت أن تموت بموت أصحابها.
فيكتور خارا وفيوليتا بارا لم يرحلا؛ إنهما يوقعان اليوم على المراسيم الحكومية في مكسيكو سيتي بصوت الملايين الذين آمنوا بأن “الأغنية التي لا تغير الواقع.. هي مجرد ضجيج جميل”.
لقد علمتنا تجربة المكسيك أن الطريق إلى التغيير الحقيقي يبدأ من “أوتار القيتارة” الملتزم، بشرط أن تعرف كيف تحول اللحن إلى رغيف خبز، وقصيدة الحرية إلى قانون يحمي الفقراء والمهمشين.