راؤول مسيليتا
في الثاني عشر من أبريل الجاري، لم يكن ميناء برشلونة مجرد نقطة انطلاق جغرافية، بل تحول إلى مركز لإعلان سياسي يتردد صداه في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط. ومع انطلاق “أسطول الصمود العالمي”، استعادت العاصمة الكتالونية دورها التاريخي كجسر بين أوروبا والمشرق، لتذكر العالم بأن الدبلوماسية ليست حكراً على وزارات الخارجية فحسب، بل هي أيضاً مسؤولية المجتمع المدني الذي يرفض نشطاؤه ومنظماته القبول بالأمر الواقع وفرض سياسة الصمت.
المفاهيم النضالية: من الانتفاضة إلى الصمود
وكما دخلت كلمة “الانتفاضة” في السابق القواميس السياسية العالمية، متجاوزة حدودها اللغوية لتصبح رمزاً لكل فعل مقاوم ضد الظلم، نشهد اليوم تحولاً مماثلاً مع كلمة “الصمود”. لقد انتقل هذا المصطلح من كونه تعبيراً عن الثبات الفلسطيني فوق الأرض، ليصبح شعاراً عالمياً وإطاراً فكرياً يؤطر أنشطة الحراكات المدنية في الغرب. إن تبني نشطاء أسطول الحرية في برشلونة لهذا الاسم ليس مجرد استعارة لفظية، بل هو إقرار بأن فلسفة البقاء والمقاومة السلمية الفلسطينية قد باتت مدرسة تلهم الأحرار عبر القارات، وتحول “الصمود” من حالة محلية إلى لغة تضامن عابرة للحدود.
ميزان القوى الأخلاقي
هذه المهمة، التي تضم أربعين سفينة ومشاركين من أكثر من سبعين جنسية، لا تبحر فقط محملة بالإمدادات الأساسية، بل إن حمولتها الحقيقية تكمن في تحدي جغرافيا الحصار. وبينما يغرق المجتمع الدولي في بلاغة المكاتب، تحاول هذه القوارب رسم مسار مادي ملموس، واضعةً على المحك التماسك الأخلاقي للدول الأوروبية التي ستمر بسواحلها، ومواجهة الواقعية السياسيةبـ واقعية الضمير.
ما وراء الأفق
لقد أثبتت برشلونة أن إرادة الشعوب قادرة على ابتكار مسارات بديلة حين تصمت القوى الكبرى. قد تنجح الأساطيل في الوصول، وقد تُعترض، لكن الحقيقة التي لا يمكن حجبها هي أن هذه الرحلة قد حققت هدفها الأسمى لحظة انطلاقها: لقد أكدت أن التضامن ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو فعلٌ يُمارس وشجاعةٌ تُبحر في وجه المستحيل. ستبقى هذه السفن شاهدة على أن الحق لا يموت ما دام له في مدن مثل برشلونة حراسٌ يحملون شعلته..