0)
في سياق التنافس الدولي المتزايد على القارة الأفريقية، يبرز نموذج المملكة المغربية كأحد أكثر النماذج تماسكًا وابتكارًا في توظيف ما يُعرف بـ«الدبلوماسية الموازية»، وهي مقاربة تقوم على توسيع أدوات التأثير خارج الإطار الدبلوماسي التقليدي، عبر شبكة متعددة المستويات من الفاعلين الاقتصاديين والدينيين والثقافيين والاجتماعيين.
يقود هذه الاستراتيجية الملك محمد السادس، الذي جعل من أفريقيا امتدادًا استراتيجيًا للسياسة الخارجية المغربية. ومنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي سنة 2017، عملت الرباط على إعادة تموقعها داخل القارة، ليس فقط عبر القنوات الرسمية، بل من خلال بناء شبكة نفوذ مرنة تمتد عبر دول أفريقيا جنوب الصحراء، وتتيح لها التفاعل بفعالية في بيئات تنافسية ومعقدة.
تعتمد هذه المقاربة على ثلاث أدوات رئيسية متكاملة. أولها البعد الاقتصادي، حيث توسعت البنوك والشركات المغربية في مجالات الاتصالات والبنية التحتية، بما يخلق روابط اعتماد متبادل تعزز الحضور السياسي للمغرب على المدى الطويل. وثانيها البعد الديني، من خلال الترويج للنموذج المغربي القائم على الإسلام المالكي والتصوف، عبر تكوين الأئمة واستقطاب الطلبة، بما يرسّخ نفوذًا روحيًا وثقافيًا عميقًا داخل المجتمعات الأفريقية. أما ثالثها، فيتمثل في الاستثمار في التعليم والثقافة وبناء علاقات مع النخب، ما يؤدي إلى تشكيل دوائر تأثير مستدامة داخل البنى السياسية والاقتصادية للدول الأفريقية.
ويخدم هذا النموذج أهدافًا سياسية واضحة، أبرزها تعزيز الدعم لمواقف المغرب في القضايا الإقليمية، وعلى رأسها قضية الصحراء، من خلال بناء شبكة واسعة من الشراكات والعلاقات التي تُترجم تدريجيًا إلى مواقف سياسية داخل المؤسسات الإقليمية والدولية.
بالمقابل، يظهر النموذج الإماراتي كنهج مختلف يقوم على النفوذ الاقتصادي السريع والمكثف. إذ تعتمد الإمارات العربية المتحدة على الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والموانئ والتمويل، وتوظف قدراتها المالية لخلق حضور استراتيجي مباشر، يرتبط بالعائد الاقتصادي والنفوذ الجيو-سياسي. ويتميّز هذا النموذج ببراغماتيته العالية وسرعة انتشاره، لكنه أقل تجذرًا في البنية الاجتماعية مقارنة بالنموذج المغربي.
أما النموذج التركي، الذي تقوده تركيا، فيعتمد مقاربة هجينة تجمع بين القوة الناعمة والحضور الأمني. فإلى جانب التعليم والمساعدات والتنمية، تبرز تركيا كشريك دفاعي متنامٍ في أفريقيا، من خلال الصناعات العسكرية والتدريب والتعاون الأمني، ما يمنحها موقعًا خاصًا في الدول التي تواجه تحديات أمنية، خصوصًا في منطقة الساحل.
تُظهر المقارنة بين هذه النماذج ثلاثة اختلافات جوهرية:
أولًا، من حيث الأداة، حيث يعتمد المغرب على الدين والنخب والشبكات، والإمارات على المال والاستثمار، وتركيا على الأمن والدفاع.
ثانيًا، من حيث الإيقاع، إذ يتحرك المغرب بشكل تراكمي طويل الأمد، مقابل سرعة إماراتية وبراغماتية، وتحرك تركي مرتبط بفرص التوسع في البيئات الأمنية.
ثالثًا، من حيث الصورة السياسية، حيث يقدّم المغرب نفسه كفاعل استقرار ديني وثقافي، والإمارات كقوة اقتصادية، وتركيا كشريك بديل يجمع بين الاستقلالية والقدرة العملياتية.
في هذا السياق، تكتسب مالي أهمية خاصة باعتبارها ساحة تفاعل لهذه النماذج الثلاثة، في ظل التحولات الإقليمية وإعادة تشكيل تحالفات الساحل. وقد برز النموذج المغربي في مالي بشكل واضح من خلال التعاون الديني وتكوين الأئمة، وهو ما أسهم في بناء نفوذ اجتماعي عميق تُرجم سياسيًا في مواقف رسمية داعمة للمغرب في ملف الصحراء، ما يعكس قدرة الدبلوماسية الموازية على التحول إلى مكاسب سيادية ملموسة.
في المقابل، تتحرك الإمارات في مالي عبر قنوات الدولة والاستثمار، من خلال مشاريع البنية التحتية والتمويل والتنمية، ما يوفر لباماكو فرصًا اقتصادية مهمة، لكنه يجعل العلاقة أكثر ارتباطًا بحسابات الربح والخسارة. أما تركيا، فتعزز حضورها عبر التعاون الدفاعي والتكنولوجي، مستفيدة من الحاجة المالية إلى شركاء أمنيين في ظل التحديات الأمنية المستمرة.
تُفضي هذه المعطيات إلى ثلاث نتائج رئيسية بالنسبة لمالي. أولها أن تعدد الشركاء يمنحها هامش مناورة أوسع وقدرة على تنويع علاقاتها الخارجية. وثانيها أن هذا التعدد يحمل في طياته خطر التحول إلى ساحة تنافس نفوذ إذا لم يُدار بشكل متوازن. أما ثالثها، فيتمثل في اتجاه محتمل نحو تقسيم وظيفي للعلاقات، حيث يتم توظيف كل شريك في مجال محدد: المغرب في الدين والنخب، الإمارات في الاقتصاد، وتركيا في الأمن.
الخلاصة التقييمية
يعكس التفاعل بين هذه النماذج في أفريقيا، وخصوصًا في مالي، انتقالًا من دبلوماسية تقليدية إلى دبلوماسية مركبة متعددة الأدوات. وفي حين يبرز النموذج المغربي كأكثر النماذج قدرة على بناء نفوذ طويل الأمد عبر المجتمع والنخب، يظل النموذجان الإماراتي والتركي أكثر تركيزًا على النتائج السريعة، سواء الاقتصادية أو الأمنية.
أما التحدي الأساسي أمام مالي، فلا يكمن في تنويع الشراكات بحد ذاته، بل في إدارة هذا التنوع بما يعزز السيادة الوطنية، ويحول دون تحوّل البلاد إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية.