42
لم تكن “لا” التي نطق بها بيدرو سانشيز في وجه دونالد ترامب مجرد قرار سياسي عابر، بل كانت بمثابة إعلان قطيعة أيديولوجية أعادت رسم خطوط المواجهة داخل البرلمان الإسباني (الكورتيس). فبينما يرى اليسار في منع استخدام قواعد “روتا” و”مورون” لضرب إيران صوناً للسيادة الوطنية، يرى اليمين واليمين المتطرف في هذا الموقف انتحاراً دبلوماسياً يضع مصالح إسبانيا في فوهة المدفع.
“الحكم الذاتي الاستراتيجي”
بالنسبة لحكومة الائتلاف اليساري، فإن الموقف ينطلق من مبدأ “الحكم الذاتي الاستراتيجي”. يرى سانشيز وحلفاؤه في “سومار” أن إسبانيا ليست مجرد “حاملة طائرات ثابتة” لواشنطن، بل هي دولة ذات ثقل في المتوسط ترفض الانجرار إلى حروب لا تخدم الاستقرار الإقليمي. بالنسبة لليسار، فإن رفض الانخراط في التصعيد ضد طهران هو التزام بالقانون الدولي، وحماية لإسبانيا من أن تصبح هدفاً مشروعاً للردود الانتقامية.
اليمين التقليدي مرعوب من “العزلة”
على الضفة المقابلة، يتبنى الحزب الشعبي بزعامة فييخو خطاباً يمزج بين القلق الاقتصادي والوفاء العسكري. بالنسبة لليمين التقليدي، فإن معاداة إدارة ترامب هي مغامرة غير محسوبة العواقب. يجادل الحزب بأن “السيادة” لا تعني القطيعة، بل تعني القدرة على التفاوض من داخل خيمة الحلفاء. يرى اليمين أن سانشيز، بقراره هذا، يضحي بمليارات اليورو من الصادرات الزراعية والصناعية التي يهدد ترامب بفرض رسوم عليها، مقابل “استعراض سياسي” للجماهير اليسارية.
اليمين المتطرف: صراع الهوية والولاء
أما حزب “فوكس” (Vox) اليميني المتطرف بزعامة أباسكال، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، مصوراً الموقف كصراع بين “الحضارة الغربية” و”أعدائها”. بالنسبة له، فإن وقوف سانشيز ضد ترامب هو انحياز ضمني لما يصفه بـ”الأنظمة الثيوقراطية”. يتبنى اليمين المتطرف رؤية ترى في التحالف مع ترامب “درعاً واقياً” ليس فقط ضد التهديدات الخارجية، بل كأداة لتعزيز “القوة الوطنية”، معتبراً أن “الكرامة السيادية” التي يتحدث عنها اليسار هي مجرد غطاء لضعف عسكري وتوجهات “معادية للغرب”.
بين مطرقة المبادئ اليسارية وسندان الضغوط اليمينية
إن هذا الانقسام يعكس أزمة أعمق في الهوية السياسية الإسبانية:
اليسار يراهن على “أوروبا قوية ومستقلة” ترفض التبعية العمياء.
اليمين يراهن على “أطلسية براغماتية” ترى في واشنطن الضامن الوحيد للأمن والازدهار.
اليسار يراهن على “أوروبا قوية ومستقلة” ترفض التبعية العمياء.
اليمين يراهن على “أطلسية براغماتية” ترى في واشنطن الضامن الوحيد للأمن والازدهار.
بين مطرقة المبادئ اليسارية وسندان الضغوط اليمينية، تجد إسبانيا نفسها في اختبار حقيقي: هل يمكن لدولة متوسطة القوة أن تقول “لا” للقوة العظمى دون أن تدفع ثمناً باهظاً من أمنها واقتصادها؟ الأيام القادمة، ومع تصاعد وتيرة التهديدات من البيت الأبيض، ستكشف ما إذا كان موقف سانشيز “بطولة سيادية” أم “سقطة استراتيجية” سيعبد بها الطريق لليمين نحو “لا مونكلوا”.