“النسبية”
بينما تنشغل الصالونات السياسية في الغرب بتدبيج خطابات التمكين والاحتفاء الصوري بـ “يوم المرأة العالمي”، يقف العالم شاهداً على واحدة من أبشع مفارقات العصر: محاولة سحق امرأة لم تقترف ذنباً سوى أنها تمسكت بشرف الكلمة ونزاهة القانون.
السقوط الأخلاقي في عيد المرأة العالمي
إن المعركة التي تخوضها المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز ليست مجرد صراع إداري داخل أروقة الأمم المتحدة، بل هي تعرية كاملة لـ “الحداثة الغربية” التي سقطت أقنعتها عند أسوار غزة.
إننا اليوم أمام مفارقة مخزية؛ فالدول التي تدعي ريادة حقوق المرأة، هي ذاتها التي تشن حرباً ضروساً لإسكات صوت امرأة كشفت تورط تلك الدول في صناعة الإبادة والتستر عليها.
واشنطن وشركاؤها: هندسة الصمت وشرعنة الجريمة
لا يمكن قراءة الضغوط التي تتعرض لها ألبانيز بمعزل عن الدور الأمريكي المتواطئ. فالعقوبات التي لوحت بها واشنطن ضدها ليست مجرد إجراء سياسي، بل هي “إرهاب دبلوماسي” يهدف إلى حماية منظومة الاستعمار الاستيطاني من المحاسبة.
إن الدول الغربية التي سارعت لتشويه سمعة ألبانيز واتهامها بـ “معاداة السامية” لم تفعل ذلك دفاعاً عن قيم أخلاقية، بل لفزعها من دقة توصيفاتها القانونية. لقد قدمت ألبانيز في تقريرها التاريخي “تشريح الإبادة الجماعية” مرآة صادمة تعكس وجوه القادة في واشنطن وبرلين ولندن وفرنسا… كشركاء فعليين في الجريمة، من خلال إمدادات السلاح والغطاء السياسي الذي جعل من “الإبادة” فعلًا مسموحاً به تحت مسمى “الدفاع عن النفس”.
ألبانيز وتفكيك اقتصاد الإبادة
تجاوزت ألبانيز الخطوط الحمراء للغرب الجماعي عندما بدأت في تفكيك البنية التحتية للجريمة. لم تكتفِ بوصف القتل، بل أشارت بالملموس إلى “اقتصاد الإبادة” والتواطؤ المؤسساتي الذي يربط بين رأس المال الغربي وبين محو الوجود الفلسطيني.
في 8 مارس اليوم العالمي للمرأة، يجعلنا ندرك أن ألبانيز تمثل “الوعي المتمرد” الذي يرفض أن تكون حقوق الإنسان مجرد أداة انتقائية في يد القوى الكبرى، تُستخدم ضد الخصوم وتُعطل عندما يتعلق الأمر بحلفاء “المركز” الغربي.
المواجهة القانونية: سلاح المستضعفين في وجه “الفيتو”
بينما يُستخدم “الفيتو” الأمريكي لتعطيل الحياة، تستخدم ألبانيز “سلاح القانون” لتوثيق الفناء. إن الهجوم الغربي عليها هو اعتراف ضمني بأن تقاريرها أصبحت تشكل تهديداً وجودياً للسردية الصهيونية التي رعاها الغرب لعقود. التضامن معها اليوم ليس فعلاً تضامنياً مع شخص، بل هو انحياز لخيار “عالم متعدد الأقطاب” تسوده العدالة، لا شريعة الغاب التي تفرضها القوى الاستعمارية القديمة والجديدة.
كفى نفاقاً.. الحرية لا تتجزأ !
إن الاحتفاء بـ 8 مارس يظل ناقصاً، بل ومثيراً للاشمئزاز، إذا لم يتضمن وقفة حازمة ضد محاولات اغتيال ألبانيز معنوياً ووظيفياً. إن التاريخ سيسجل أن الدول التي تتشدق بالديمقراطية وحقوق النساء كانت هي ذاتها التي حاولت كسر إرادة امرأة شجاعة لأنها فضحت تورطهم في سفك دماء الأبرياء.
إننا اليوم، ومن منبرنا الصحفي هذا، نعلن أن الدفاع عن فرانشيسكا ألبانيز هو الدفاع عن آخر ما تبقى من كرامة للمنظومة الدولية، وهو التأكيد على أن “النسوية التقدمية” الحقيقية هي تلك التي تقف في خندق واحد مع ضحايا الاستعمار، لا في صالونات المعتدين.