”النسبية” – 17 مارس 2026
لم يكن الثامن والعشرون من فبراير عام 2026 مجرد تاريخ لبداية مواجهة عسكرية عابرة، بل كان اللحظة التي انكسر فيها “قوس النفوذ” الذي سعت طهران لبنائه على مدار عقود. اليوم، ومع دخول “عاصفة تشرين” أسبوعها الثالث، نجد أنفسنا أمام واقع جيوسياسي جديد لم تعد فيه القواعد القديمة صالحة للاستخدام.
قطع الرأس وفوضى البدائل
إن نجاح الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية في “قطع رأس” الهرم القيادي الإيراني —بدءاً من غياب المرشد الأعلى وصولاً إلى تصفية العقول الأمنية مثل علي لاريجاني وغلام رضا سليماني— قد نقل الصراع من “حرب نفوذ” إلى “حرب وجود”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه على صانع القرار العربي اليوم ليس: “هل سقط النظام؟”، بل “من سيخلف الفراغ؟”. إن غياب خليفة واضح وتضارب الأنباء حول مصير مجتبى خامنئي يضعنا أمام سيناريو “الجزر الأمنية” المتصارعة داخل إيران، وهو ما يمثل تهديداً أمنياً مباشراً لدول الجوار يفوق تهديد النظام المركزي المستقر.
المنطقة العربية بين مطرقة التصعيد وسندان الطاقة
تجد العواصم العربية نفسها اليوم في عين الإعصار. فمن جهة، يمثل استهداف المنشآت الحيوية في الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز ضغطاً هائلاً على استقرار أسواق الطاقة العالمية، ومن جهة أخرى، فإن اشتعال الجبهة اللبنانية وتحولها إلى ساحة تصفية حسابات كبرى يضع الدولة اللبنانية المنهكة أمام خطر الانهيار التام.
التوازن المفقود
إن هذا الصراع، رغم طابعه العسكري العنيف، يكشف عن تحول عميق في موازين القوى الدولية. فبينما تلتزم القوى الشرقية (الصين وروسيا) “حياداً حذراً”، تنفرد واشنطن برسم ملامح المنطقة بقوة السلاح. لكن التاريخ يعلمنا أن “حروب الإطاحة” غالباً ما تتبعها “حروب استنزاف” طويلة الأمد إذا لم يتوفر بديل سياسي وطني قادر على لم شتات الدولة الإيرانية والحفاظ على وحدتها وسيادتها.
استقرار المنطقة لا يتم عبر تدمير الخصوم
إن المنطقة العربية مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لصياغة رؤية أمنية وسياسية موحدة. لا يمكن الركون إلى “الانتصارات التكتيكية” لواشنطن دون قلق من “التداعيات الاستراتيجية” للفوضى المحتملة. إن استقرار المنطقة لا يمر عبر تدمير الخصوم فحسب، بل عبر بناء توازن إقليمي جديد يمنع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة دائمة للصراعات الكبرى.