مراسلة خاصة – “مكتب النسبية” -سانتياغو
شهدت مدن مختلفة في تشيلي يوم الأحد 22 مارس مسيرات كبرى في إطار إحياء “اليوم العالمي للمياه”. في سانتياغو امتلأت شوارعها سانتياغو بالأصوات والأجساد و حضر بقوة الوعي الرافض للاستمرار في تطبيع سلب المياه كحق، في بلد يمثله اليوم النموذج “النيوليبرالي” تحت إدارة الرئيس أنطونيو كاست.
المياه في تشيلي مخصخصة
يجب التذكير بأن المياه في تشيلي مخصخصة، وبالتالي فإن أولئك الذين يمتلكون ثروات أكبر يمكنهم تحديد مسار واستخدام مصادر المياه الطبيعية وفقاً لمصالحهم الخاصة، مما يضر بصغار المزارعين والعائلات في المناطق الريفية والمدن الصغرى، ويؤدي بالتالي إلى زيادة الجفاف ونقص مورد أساسي لكل إنسان وللطبيعة نفسها.
بعد أقل من أسبوعين على توليه الرئاسة، طلب كاست سحب 43 مرسوماً بيئياً كانت قيد المراجعة القانونية. كل هذه المراسيم، التي تمت صياغتها بناءً على عمليات طويلة من المشاركة الشعبية والبحث وتقييم الأثر البيئي في الحكومة السابقة، تم استبعادها بحجة عدم التأثير على الاستثمار على حساب الحماية البيئية.
ملاحقة المدافعين عن البيئة في ظل حكم أوليغارشي
في ظل نموذج “أوليغارشي”، تعرض المدافعون عن البيئة لملاحقات شديدة وصلت إلى اختفاء العديد من النشطاء دون تحقيق العدالة أو كشف الحقيقة حتى الآن. أصبح العمل البيئي بحد ذاته محل “شبهة” لأنه قد يؤثر على الاقتصاد ونمو نموذج مدمر وقائم على الاستخراج الجائر.

مسيرة-في-تشيلي-دفاعا-عن-البيئة.jpeg
23 مارس، 2026
تشمل هذه المراسيم خططاً لإزالة التلوث، ومعايير الجودة والانبعاثات، وتدابير التكيف مع المناخ وحماية الأنواع. وعلى سبيل المثال، كانت هناك خطط لتطهير منطقة “بورتو آيسين”، ومعايير لحماية حوض نهر “هواسكو”، ومعايير لمحطات الطاقة الحرارية، والرصاص، وخطة التكيف مع تغير المناخ للتنوع البيولوجي، وإعلان “بطريق هومبولت” كأثر طبيعي.
مجسمان لبطريق هومبولت للفنان مارسيل صولا صانه تمثال “ماطاباكوس”
وحول هذه الفصيلة المستوطنة في السواحل التشيلية (بطاريق هومبولت)، امتلأت الشوارع بالشعارات والرموز. حيث قام الفنان البصري والناشط البيئي “مارسيل سولا” (Marcel Solá) —وهو أيضاً مؤسس “متحف الانتفاضة الاجتماعية” في تشيلي— بصنع مجسمين لبطريقين يحملان لافتة. يذكر أن هذا الفنان هو نفسه من صمم نصب الكلب “ماطاباكوس” (Matapacos) الذي أصبح أيقونة للثورة الاجتماعية في أكتوبر 2019. كلا المنحوتتين استلهمتا رمزية الكلب الزنجي من خلال ارتداء “مناديل حمراء” وسط الحشود. تم بناء العملين بالكامل من مواد مهملة ونفايات كانت يوماً رمزاً للاستهلاك، لتعود اليوم كأداة للإدانة والذاكرة وفعل من أفعال المقاومة.
لأن الحديث عن الماء هو أيضاً حديث عن الأرض، وعن الأنظمة البيئية الهشة، وعن الأنواع المهددة اليوم بالطمع والإهمال ونموذج يصر على المضي قدماً دون قياس العواقب.
خطر الظواهر المناخية المتطرفة
خلال المسيرة، تعاون المتظاهرون في نقل هذه الأعمال الفنية، وهي لفتة جماعية تعد جزءاً من العمل نفسه: الحمل، والتحريك، وإظهار القضية. الشعار هو الاستمرار في التنديد واحتلال الفضاء العام، لأن “الماء لا يُباع، بل يُستعاد بالدفاع”.

المسيرة-الكبرى-رفضا-لسياسات-كاست-البيئية.jpeg
23 مارس، 2026
جدير بالذكر أن الظواهر المناخية المتطرفة عالمياً تُصنف كأكبر خطر على المدى المتوسط؛ حيث يأتي فقدان التنوع البيولوجي في المرتبة الثانية، ونقص الموارد الطبيعية في المرتبة السادسة. التكاليف المرتبطة بهذه المشاكل ضخمة، وهنا تكمن أهمية السياسة البيئية التي تسعى لمعالجة هذه القضايا بأدوات ملموسة وأدلة علمية.
منطق الشك العام” في التنظيم البيئي
إن حلول التخفيف والتكيف وحماية التنوع البيولوجي تستغرق سنوات لتصميمها، وليس شهوراً أو أياماً. ولا توجد حكومة تخرجها من “تحت عباءتها” فجأة. وهذا تحديداً ما يجعل قرار سحب هذه المراسيم بشكل جماعي أمراً يصعب فهمه، حيث يزيد من حالة عدم اليقين لدى المجتمعات التي تنتظر الردود منذ زمن، مما يؤخر الإجراءات الرامية لتحسين جودة حياة الناس.
كما يثير القلق غياب جدول زمني محدد لعملية “التدقيق” المعلنة بشأن المراسيم المسحوبة، فلا توجد منهجية واضحة أو موعد لإعادة تقديمها، بل إن التصريحات العامة تفتح الباب على احتمالية عدم عودة بعضها بالمرةً.
ختاماً، إن ترسيخ فكرة أن كل تغيير حكومي يمكنه سحب ما لا يتوافق مع توجهه دون مبرر دقيق يضعف الاستمرارية المؤسسية للدولة. في القضايا البيئية، حيث الإجراءات طويلة ومعقدة وتشاركية، يكون الضرر أكبر. قد تحتاج بعض المراسيم إلى تصحيحات، لكن يجب تبرير ذلك بوضوح، وإلا فإن ما يتم تصديره هو “منطق الشك العام” في التنظيم البيئي، وهو أمر يتعلق بالأيديولوجيا أكثر من التقنية.

