بقلم: محمد حيتوم
برحيل المناضلة والدبلوماسية ليلى شهيد، تفقد القضية الفلسطينية أحد أبرز وجوهها في الفضاء الثقافي والسياسي الأوروبي. من بيروت إلى الرباط ثم باريس وبروكسيل، نسجت مساراً فريداً جمع بين النضال السياسي والعمل الثقافي والدبلوماسية الهادئة.
بمقبرة بلدية لوسان في مقاطعة غارد الفرنسية، والقريبة جدا من حجر لابيير بلانتي الأثري (le Menhir Préhistorique de la Pierre Plantée)، وفي هدوء يحترم حرمة المكان الذي يؤرخ لحقبة العصر النحاسي، تم دفن جثمان الفقيدة ليلى شهيد، بعد أسبوع على وفاتها، بحضور رفيق دربها وزوجها الكاتب والأديب المغربي محمد برادة وعدد كبير من الشخصيات من عالم الفكر والثقافة والسياسة.
حفنة من تراب أرض فلسطين وأحجار كريمة من القدس هي التي رافقتها في رحلتها الأخيرة، حسب الفنان أحمد داري خلال تشييع الراحلة إلى مثواها الأخير.
تميز وداعها الأخير كذلك برسالة المفكر الفرنسي الكبير إدغار موران Edgar Morin الذي حال وضعه الصحي دون حضوره، فألقى الرسالة نيابة عنه المؤرخ والمفكر الفلسطيني إلياس صنبر: “ليلى شهيد… ستبقين في قلوبنا رمزا للعدل والحق، وروح الشعب الفلسطيني الذي كنت صوته بيننا… لم تكرهي اليهود، بل كرهت دولة اسرائيل الظالمة. بفضلك لن ننسى الشعب الفلسطيني أبدا، ولن ننسى أن ننقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة، سنواصل أكثر من أي وقت مضى الشهادة، والمعاناة، والنضال من أجل فلسطين، قضيتك وقضيتنا، أنا وزوجتي صباح ننحني عند قبرك بأعمق مشاعر الحزن، وحبنا الذي لا يتزعزع“.
ليلى شهيد، التي وصفتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) بـ”المناضلة الوطنية و الدبلوماسية الفلسطينية البارزة “، كما ركزت أغلب المنابر الإعلامية على مسارها الدبلوماسي، ينحني أمام قبرها اليوم أحد كبار مفكري فرنسا في العصر الحديث عرفانا لها واعترافا بدورها الريادي في الدفاع عن قضية فلسطين.
ها هي ترحل عنا دون أن تحقق حلما طالما ناضلت من أجله: العودة لوطنها وبناء دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، مدينة جدها الشيخ الحسيني.
شهادة حياة
لم يكن رحيل ليلى شهيد كرمز نضالي فلسطيني عاديا، بالنسبة لشرائح هامة من الرأي العام العربي والعالمي المتتبع لقضية فلسطين، ناهيك عن أبناء الشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين.
فحياتها تحكي قصة فلسطين:
وُلِدت ليلى في 1949 أي بعد النكبة بسنة واحدة، وسط عائلة فلسطينية بلبنان. لم يكن فعلا اختياريا لعائلتها أن تحدث هذه الولادة في المنفى، فجدها من أمها الشيخ الحسيني حكم عليه هو وعائلته بالمنفى من القدس من طرف الانتداب البريطاني سنة 1939، بعد ثورة 1936، أما الأب الدكتور منيب شهيد، القادم من عكا لإتمام دراسته ببيروت، فوجد نفسه مضطرا للبقاء في العاصمة اللبنانية بعد نكبة 1948.
في هذا الوسط التعددي ثقافيا ودينيا (أب مسيحي وأم مسلمة) يتقاطع فيه التاريخ بالعلم، والطب بالسياسة، ترعرعت ليلى شهيد.
الوعي والالتزام
لم تنشأ ليلى في المخيمات لكنها على تماس معها، لأنها رأت فيها أصلها الفلسطيني-المقدسي.
انخرطت مند بداية شبابها في العمل الاجتماعي ميدانيا.
هناك في المخيم وهي تتواصل مع الأهالي، وتعمل جنبا إلى جنب معهم، تؤدي خدمة للشيوخ، للنساء، للأطفال، بما يتطلب ذلك من جهد ووقت، فهي لا تقوم بواجب إنساني فقط بل تتذكر أنها جزء لا يتجزأ منهم، وأنها شريكة مأساة الاقتلاع من الأرض، أرض فلسطين.
لم يمنعها هذا العمل الطوعي من متابعة دراستها في المدارس البروتستانية، حيث أكملت دراستها الابتدائية والثانوية، حتى اجتازت شهادة البكالوريا بنجاح.
بعد بضع أيام فقط من حصولها على شهادة البكالوريا، اندلعت حرب الأيام الست في يونيو 1967 والتي انهزمت فيها الجيوش العربية أمام إسرائيل. بعد هذه النكبة الثانية والأسئلة الجوهرية التي أصبحت مطروحة عن مصير الشعب الفلسطيني وقضيتها وضرورة أخد زمام المبادرة، بدأ الوعي السياسي والثقافي لِليلى في التشكل، فكان اختيارها وقتئذ واضحا، كأغلب مجايليها اختارت الجامعة الأمريكية ببيروت للتحصيل العلمي (علم الاجتماع والأنثروبولوجيا) وفي نفس الوقت التزامها السياسي الوطني ضمن صفوف الاتحاد العام لطلبت فلسطين.
وفيما كانت الأسئلة تتناسل، جاء القصف الصهيوني لمطار بيروت سنة 1968 وتدمير أسطول الطيران المدني اللبناني ليساهم في التفاعل الطلابي مع النقاش المفتوح حول قضايا التحرر والعدالة في تحفيز الوعي النقدي لدى الشباب، وليلى جزء من هذا الحراك الثقافي، ستتولى رئاسة تحرير مجلة The Outlook في الجامعة التي كانت فضاء للطلاب للتعبير الحر عن آرائهم حول مختلف القضايا.
بيروت لا تشبه العواصم، فهي حاضنة للثورة الفلسطينية بكل فصائلها وتيارتها، وهي ملتقى لكل حركات التحرر العالمية، وملاذا للتيارات الفكرية والسياسية بتعدد مشاربها، ولذاك أصبحت إلى جانب هذا وذاك مركزا ثقافيا وإعلاميا، ازدهرت فيه المجلات والجرائد ودور النشر.
وسط ذلك يبقى السؤال ملحا، م العمل؟
بعد النكبة الثانية (هزيمة 1967) وبعد سقوط عدد من الرهانات أهمها رهان الأنظمة السياسية السائدة في الوطن العربي، الحركات والأحزاب التي قادت الفعل السياسي لحد الآن…
تناسل الأسئلة يفرز قوى جديدة خصوصا في صفوف اليسار (فلسطينيا، لبنانيا، عربيا…) في تفاعل مع تصاعد المد اليساري العالمي.
الثقافة والعشق
هكذا، إذن ستتشكل شخصية ليلى شهيد عبر رحلة عمل ميداني في المخيمات، بدءا من نضال طلابي جمع بين التحصيل العلمي والالتزام السياسي الوطني، لتنتقل الرحلة من بيروت إلى باريس عام 1974، قصد الحصول على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا فانتهت بالكلية التطبيقية للدراسات العليا، Ecole Pratique des Haut Etudes.
انخراطها بقوة في العمل الطلابي والسياسي جعل رفاقها ينتخبونها رئيسة للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا.
وكما سبقت الإشارة، فالوجه الآخر لنشاط ليلى شهيد، هو الوجه الثقافي، حيث لم يكن التزامها السياسي دون خلفية فكرية ثقافية، بل شكلت الروح التي تغذي هذا الالتزام.
كما أن حضورها للمنتديات الثقافية مكنها من نسج علاقات مع كبار المثقفين في فلسطين ولبنان (إدوارد سعيد، إلياس خوري، محمود درويش…). وخلال الإقامة الأولى في باريس، التقت الكاتب المغربي إدمون عمران المالح، الذي سيعرفها على المغرب، خصوصا أنها وجدت أمامها مثقفا رفيع المستوى وروائيا كبيرا وهو في نفس الوقت أحد كبار المدافعين عن القضية الفلسطينية.
في صيف 1976 وبدعوة من إدمون عمران المالح وزوجته، ستقوم ليلى شهيد بأول زيارة إلى المغرب حيت سترافقهما في رحلة صيفية لعدد من المدن المغربية، كانت فاتحة عشقها للمغرب، ستتوج بعشق آخر، وهو زواجها من الأديب المغربي محمد برادة الذي كان يشغل أنذاك رئيسا لاتحاد كتاب المغرب. منذ 1977، اختارت الاستقرار بالمملكة لمدة 12 سنة تقريبا.
حضور القضية الفلسطينية، حضوره له جدور في المغرب، فهي كانت دائما محط اهتمام النخبة السياسية الوطنية، عبر كل المراحل منذ الحماية الفرنسية وبعد الاستقلال، لكن لهزيمة 1967 أثر بالغ الأهمية على تطورات الموقف المغربي رسميا وشعبيا.
وأصبحت قضية فلسطين قضية وطنية قولا وفعلا، فالقرارات الصادرة خلال مؤتمرات عدد من الهيئات النقابية والسياسية أقرت بذلك تنظيم المهرجانات التضامنية مع فلسطين، تأسيس الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني سنة 1968 …الخ
أما على المستوى الثقافي، فقد كان المغرب يعيش دينامية فكرية وسياسية متنامية، تجلت في إصدار عدد من المنابر الثقافية، نضال جماهيري وعمالي متنوع المجالات، صعود بارز لعمل الجمعيات الثقافية، خصوصا في بعض مدن الهامش، تنامي حضور المرأة …الخ
من جديد ستجد ليلى شهيد نفسها بعيدة عن بيروت جغرافيا، لكنها قريبة منها روحا وفكرا وعملا…
فإلى جانب زوجها محمد برادة، أصبح بيتها ملتقى (Carfour) لعدد من المثقفين سواء من المغرب أو المشرق أو فرنسا.
فكان بينهما جسرا للتواصل خدمة للقضايا القومية ولقضايا الثقافة والإبداع.
العودة إلى المخيمات
وسط الرباط، وجدت ليلى شهيد نفسها غير بعيدة عن قضيتها، فالزوج والعائلة والأصدقاء وكل المحيط يسبحون في نفس التيار من أجل العدالة، الحرية، الديمقراطي، الوحدة العربية، فلسطين، التحرر… هي لغة اليومي، هي قضايا المتداول بين هؤلاء داخل المنتدى في الجامعة، في المقرات وحتى الجلسات العائلية أو في حديثها مع الناس حين تذهب لتعطي دروسا في إحدى مدارس الهامش في مدينة سلا، أو خلال اشتغالها إلى جانب السوسيولوجي الكبير عبد الكبير الخطيبي في إحدى دور النشر، أو اللقاءات الثقافية التي كان يزخر بها المغرب آنذاك.
في يونيو 1982، شنت إسرائيل حربا أخرى على لبنان، قصد تصفية الوجود الفلسطيني رغم الجهود الدبلوماسية الدولية والعربية. بعد حوالي ستة أشهر من تهديدات إسرائيل، أطلق أرييل شارون اسم “عملية السلام في الجليل”، والسلام عند شارون يتحقق بالطائرات الحربية والدبابات وحصار بيروت.
طيلة مائة يوم من الحصار، ظلت بيروت تتعرض للقصف والدمار، وكانت ليلى شهيد تتابع الأحداث من المغرب، فمي بيروت، عاشت طفولتها بكل الذكريات، هناك عائلتها والأصدقاء ورفاق الدرب…
تتساءل: ما الذي يمكن القيام به للمساهمة في فك هذا الحصار؟
هنا في المغرب، انطلق تضامن قوي مع فلسطين ولبنان، بمشاركة فعاليات مغربية ومكتب منظمة التحرير الفلسطيني، لكن ليلى شهيد كانت تريد أن تقوم بدورها، وربما بشكل أكثر فعالية…
ضمن الصداقات التي نسجتها في المغرب مع الكثير من المثقفين، تذكرت اسم جان جيني الكاتب الفرنسي الشهير الذي كان، فحاولت إقناعه بالكتابة في الموضوع، لينشر في بعض المنابر الفرنسية، لكنه لم يفعل.
لم يكن جان جيني مثقفا تستهويه البيانات ولا منصات الإعلام، فهو يحب قراءة الوقائع والأحداث بطريقته. (وهو ما سبق أن قام به في سبعينيات القرن العشرين سواء مع حركات السود في أمريكا Black Panther Party أو الفلسطينيين في مخيمات الأردن ولبنان).
لهذا عندما قررت ليلى شهيد أن تسافر إلى لبنان عبر سوريا، طلب جان جيني مرافقتها بالرغم من مرضه، بل وألح عن ذلك رغم تحفظها.
دخل الاثنان بيروت واستطاعا أن يقوما بزيارة المخيم بعد الجريمة النكراء في صبرا وشاتيلا والتي نتج عنها نص “أربع ساعات في شاتيلا”، النص/ الشهادة الذي لم يكن تغطية إعلامية لحدث ولكنه نص رفيع أدبيا. وكان جان جيني قد بدأ كتابة النص في 1970، أي منذ زيارته الأولى لمخيمات الفلسطينيين بالأردن ولبنان، اللحظة التي انتصر فيها الفلسطينيون على أنفسهم بإنجاز تحول هام من لا شيء إلى مقاتلين Combattants يفتخرون بالذات الفلسطينية مما أعطى للنص شحنة الاستمرار في وصفه مشاهد الإبادة بلغة أدبية رفيعة. (اقرأ الإطار).
“الشغل الوسخ” في عيون جان جيني: شهادة أدبية على مجزرة صبرا وشاتيلا
“أسجل الآن ما يلي، دون أن أعرف لماذا أفعل ذلك عند هذا المستوى من حديثي: “اعتاد الفرنسيون أن يستعملوا هذه العبارة الفاقدة الطعم: “الشغل الوسخ”
(le sale boulot) ومثلها، إذا، أن الجيش الإسرائيلي قد أوعز إلى الكتائب أو الحداديين بتنفيذ “الشغل الوسخ”، فكان حزب العمل الإسرائيلي قد جعل حزب الليكود، وخاصة بيغين، وشارون، وشامير، ينجزون “الشغل الوسخ”…، إنني أورد هنا ما قاله لي الصحافي الفلسطيني ر. الذي كان ما يزال موجودا ببيروت يوم الأحد 19 شتنبر.
وسط جميع الضحايا التي تعرضت للتعذيب، وبالقرب منها، لا يستطيع ذهني أن يتخلص من تلك ‘النظرة اللامرئية”: كيف كان شكل ممارس التعذيب؟ من هو؟ إنني أراه ولا أراه، إنه يفقأ عيني، ولن يكون له أبدا شكل آخر سوى الشكل الذي ترسمه وضعية أجساد الموتى، وإشارتهم الخشنة، وهم ملقون تحت الشمس، تنهبهم أسراب الذباب”.
علق جاك ديريدا الفيلسوف الفرنسي على النص قائلا إن جان جيني استطاع أن يربط ذكرياته الشخصية بـ”الدفن” الرمزي للضحايا Sépulture ويمكن لنا بلغتنا أن نقول إنه أقام صلاة جنازة جماعية. كما أن البعض يشبه النص بلوحة غرنيكا التي أنجزها الفنان الإسباني بابلو بيكاسو.
رافقت ليلى شهيد صديقها جان جيني في هذه المرحلة، ورافقت النص الذي كتب حتى نشره على نطاق واسع، فيما قام زوجها الأديب محمد برادة بترجمته إلى العربية، بشكل موفق وبديع.
محمد برادة سيقوم بترجمة نص آخر عن نفس الأحداث لصديقهما الآخر إدمون عمران المليح، والذي عنونه ب “وجه الإنكار” ضمن ما جاء فيه:
“صور ومشاهد لا تكف ساعة بعد ساعة، ودقيقة بعد دقيقة، عن كشف وجه هذه الحرب الإبادية الموجهة والمقررة بأعصاب باردة، ضد الشعب الفلسطيني، مصيبة بالضربة نفسها لبنان وسكانه”
كتب إدمون هذا النص وهو يتابع الأحداث من الرباط، فهو المغربي الأصيل الذي رفض الهجرة إلى إسرائيل، يوجه سهام نقده للبعد “الميتولوجي المنغرس في العقول”، فحاخام إسرائيل الأكبر، لا يبارك حملة الإبادة فقط بل يجعل من المشاركة فيها: أي فعل حسن.
كما يؤاخذ في هذا المقال على عدد من المثقفين في فرنسا، تواطئهم وخضوعهم للمؤسسات الصهيونية، لحظر استعمال كلمة “إبادة”
استمرت الحياة بالنسبة لِليلى في المغرب مع الحفاظ على علاقتها بفلسطين بمنظمة التحرير بمجلة الدراسات الفلسطينية، ولكن كما سبقت الإشارة، كان استقرارا مؤقتا. ففي أواخر 1987، بدأت الانتفاضة الأولى وهذه المرة من داخل فلسطين.
لم يبق من اختيار لليلى شهيد إلا أن تلبي نداء الواجب الوطني، وهكذا دخلت مرحلة أخرى من تجربتها النضالية من خلال العمل الدبلوماسي.
دبلوماسية بلا نياشين ولا باقات
بدأ مسار شهيد الدبلوماسي، كامتداد لالتزامها بقضية شعبها، بالبعثة الفلسطينية في إيرلندا ثم لاهاي (هولندا) فالدنمارك، إلى أن حطت رحلتها بباريس.
الطريق هنا لم يكن مفروشا بالورود، لا باقات ولا نياشين، بل كان عبر ثلج عالم تعرفه جيدا كمعقل للصهيونية ولإسرائيل، بل وهي المثقفة الفلسطينية تعلم تفاصيل التفاصيل عن البعثة الدبلوماسية الفلسطينية في فرنسا.
وقد كان محمود الهمشري أول مسؤول لمكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية بباريس يعين في سنة 1969، لكن ما أن بدأ يثبت أقدامه في الوسط الثقافي والسياسي الفرنسي بإمكانياته المحدودة، لكن بعزيمة قوية وكفاءة عالية، حتى امتدت له يد الغدر فتعرض لعملية اغتيال داخل بيته في يناير 1973.
بعده، تم تعيين عز الدين القلق الذي حظي باحترام في الوسط الثقافي لمكانته الاعتبارية ككاتب وأديب، وكان أهم إنجازه عملية التوثيق لقضية فلسطين عبر الطوابع البريدية وتاريخها مما شكل طعنة قوية للسردية الصهيونية التي حركت عملاءها لاغتياله سنة 1978.
بعد محمود الهمشري الذي دشن العمل الدبلوماسي الفلسطيني، وعز الدين القلق الذي بدأ في محاولة تبيان للرأي العام الفرنسي أن هناك سردية أخرى تختلف عن السردية الوحيدة والسائدة في الوسط الإعلامي والسياسي عامة، أتى الدور على الدكتور إبراهيم الصوص الحاصل على شهادة الدكتوراه من إحدى جامعات باريس، وكان له حضور في الأوساط الأكاديمية والثقافية والإعلامية. لكن تحديه الأكبر تمثل في كيفية مواجهة الولاء التام للنخب بما فيها اليسارية لإسرائيل، والهالة التي خلقها اللوبي الصهيوني أن إسرائيل واحة للديمقراطية وسط شرق أوسط مستبد… هنا، حرص إبراهيم الصوص على أن يكون حاضرا في كل الواجهات، بالكتابة والتأليف والنشر، بالمنافحة داخل المنصات الإعلامية بلغته وتكوينه الرصينين، فاستطاع أن يقنع بعض التيارات اليسارية الفرنسية بزيارة لبنان، كما استطاع أن ينظم زيارات لأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية إلى باريس. في تلك الأثناء، زاد حصار بيروت في سنة 1982 من فضح الأساطير الإسرائيلية، إذ أقر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، خلال زيارته لتل أبيب في نفس السنة، بأن إسرائيل مناحيم بغين لا علاقة لها بإسرائيل الموعودة التي كان يحملها في ذهنه. وقد شكل ذلك تغييرا في صفوف النخب تدريجيا، مما أدى إلى الرفع من مستوى التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني من مكتب تمثيلية منظمة التحرير الفلسطينية إلى المندوبية العامة لفلسطين Délégation Général de Palestine.
هذا الإنجاز لعب فيه إبراهيم الصوص دورا هاما، لكنه لم يكن وحيدا بل كان بمساهمة عدد من الفلسطينيين، مثقفين وفنانين ومناضلين سياسيين، وعلى رأسهم فضل سعيد خليل الضائي الذي امتدت له يد غدر الاغتيال الصهيوني يوم 23 يوليوز 1982 في عز الحصار المفروض على بيروت وعلى المقاومة الفلسطينية وقيادتها، وقد كان الضائي يشغل، حينها، منصب نائب إبراهيم الصوص.
كان لابد من هذا التذكير الملخص للشروط الممهدة لدخول ليلى شهيد عالم الدبلوماسية الفلسطينية بفرنسا وأوروبا فقطارها كان قد انطلق على أيدي من سبقوا، لكن سكته لا تخلو من منعرجات إن لم توقفه فقد تعطل سرعته أو تخفض منها.
شهيد في باريس
بإصرار وعزيمة، بدأت ليلى شهيد مهمتها على رأس البعثة الدبلوماسية الفلسطينية بفرنسا سنة 1993، (بعد أن خاضت تجربتها الأولى كأول امرأة دبلوماسية فلسطينية، عينها ياسر عرفات في إيرلندا سنة 1989، ثم في هولندا والدنمارك 1990 – 1993)، رافعة تحدي مواجهة السردية الصهيونية السائدة في الوسط السياسي، الثقافي والإعلامي الفرنسي والأوروبي، بحضور فكري ثقافي رصين، تخاطب الغرب في جانبه العقلاني و ما راكمه من مكتسبات على مستوى المشترك/المتاح انسانيا.
هكذا، ساهمت في إعادة تشكيل صورة الفلسطينيين كفاعل عقلاني ملتزم بالحق والعدالة والشرعية الدولية، وليس مجرد ضحية أو “مقاتل يحمل بندقية” فنجحت في تحويل النقاش داخل فرنسا، أساسا، من “أمن إسرائيل” إلى القانون الدولي والشرعية وحقوق المدنيين كمرحلة أولى وضرورية.
فشهادة ادغار موران المذكورة أعلاه لخصت كل شيء عن مكتسبات الدبلوماسية الفلسطينية، بحيث في نفس الكلمة خاطب ليلى شهيد معللا شهادته قائلا:《وقد حضرت عددا كبيرا من التظاهرات التي قمت بتنظيمها 》
فعلا، بحكم توسع شبكة معارفها عملت على تنشيط العديد من الفعاليات متعدة في النوع و لكن بجوهر واحد عنوانه فلسطين.
قراءات شعرية لعدد كبير من الشعراء العرب و خصوصا من فلسطين، نال فيها النصيب الأوفر محمود درويش لمكانته الثقافية و لكن أيضا لأن عددا من اشعاره تغنى بها العديد من الفنانين و المجموعات الموسيقية..ّ..( مارسيل خليفة، الثلاثي جبران…..الخ)
وقد توج هذا المجهود مع تكاتف معطيات أخرى وأهمها الدعم الكبير الذي أصبحت تحضى به قضية فلسطين، بإطلاق اسم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش على إحدى الساحات في قلب مدينة باريس سنة 2010 بحضور رئيس السلطة الفلسطينية و عمدة باريس.
اللوحة التذكارية التي تضمنت أحد اشهر أبيات شعر محمود درويش:
“و نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”
Nous aussi nous aimons la vie quand nous en avons les moyens
ما زال يشهد على أهمية الحدث
أما إعلاميا فقد استمرت على نهج سابقيها في الحضور و ملء كل فراغ، بل اغنت حضورها الإعلامي و احاديثها الدبلوماسية بتعبيرات لاتخلو من صيغ فنية و أدبية دات بعد ثقافي عميق.
فخلال تصريح لها، في الفيلم الوثائقي ” الدبابة و شجرة الزيتون ” Le Char et
L’olivier لمخرجه رولاند نوريي Roland Nurier
و هي تتحدث عن فلسطين بالوثيقة و مرجعية القانون الدولي تضيف لذلك مستشهدة بحديث الكاتب الفرنسي جان جنيه عن《 صوابية القضية الفلسطينية و ليس عدالتها 》 La Justesse et non justice
كما أن إشعاعها امتد ليشمل القارة الأوربية، حيث ستتحمل مسؤولية رئيسة البعثة الدبلوماسية الفلسطينية لدى الإتحاد الأوربي (2006-2015)
لايمكن الحديث عن كل إنجازات ليلى شهيد، لكن لابد من التذكير بإحدى اهم بصمة لها في الدبلوماسية الفلسطينية خصوصا بعد المساهمة في اتفاقية أوسلو و هي دورها الهام في تنظيم زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للأراضي المحتلة سنة 1996، متابعة و تنسيقا مع الرئيس ياسر عرفات.
الزيارة التي، بالرغم من العراقيل و الصعوبات التي تعرضت لها من قبل اللوبي الصهيوني بفرنسا و كذلك سلطات الاحتلال الإسرائيلية، عرفت حدثين هامين:
الاول: خلال زيارته للقدس الشرقية انتبه الرئيس الفرنسي للاستفزازات التي بدأ يتعرض لها من قبل الجنود الإسرائيليين في محاولة ثنيه عن لقاء الفلسطينيين، حيث ثارت ثائرة شيراك ليلفظ في وجه رئيس الحرس جملته الشهيرة:
This is not a method
This is a provocation
الثاني: في 24 أكتوبر 1996، ألقى خطابه التاريخي الهام أمام المجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله، إضافة إلى تأكيده على دعمه لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته، قال بلغة واضحة وصريحة كممثلي الشعب الفلسطيني: “إنكم ضحية جريمة لم ترتكب على أرضكم”
مهما قيل في حق المثقفة الدبلوماسية، لن نوفيها حقها. فحتى بعد أن اختارت طوعا أن تتقاعد عن كل عمل رسمي، واصلت نشاطها الثقافي وتولت رئاسة جمعية أصدقاء معهد العالم العربي بباريس لفترة من الزمن، مركزة على دعم الإنتاج الثقافي العربي.
تجدر الإشارة إلى أن صاحبة هذا المشوار الممتد عبر عقود من الزمن بتجربة غنية و مليئة بحفظ توازن عدد كبير من المعادلات وما يتطلب ذلك من صرامة العقل. تملك حسب من عرفوها قلبا كبيرا وإحساسا رهيفا ومرهفا… وتلك خصلة من خصال الكبار.
صاحبة القلب الكبير عشقت المغرب من أول زيارة، توطدت علاقتها به بعد الزواج. عاشرت أهله من مختلف الفئات و الشرائح، جالست عدد كبير من الشخصيات من مختلف المجالات، استقرت فيه مدة غير وجيزة بحب و اطمئنان، لكن نداء الواجب الوطني كان أقوى من أي نوع من الاستقرار.
المغرب بشعبه المضياف و المتضامن مبدئيا مع قضية فلسطين بادلها نفس الحب و الهوى حيث ترسخت صورة ليلى شهيد كجزء من ذاكرتنا، ولا أدل على ذلك حجم التفاعلات بعد سماع خبر وفاتها هنا في المغرب.
كتب و قيل الكثير في حقها و يكفي أن نختم بما جاء في رثاءها من قبل أحد أصدقاءها الشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف اللعبي:
…..Et dans ce monde cruel
Où les plus vaillants d’entre nous
Ne savent où donner de la tête
Tu es
Et tu resteras
Notre boussole